٢ - فضيلة محبة الله ورسوله، وتقديمها على محبة ما سواهما.
٣ - فضل الحب في الله. وهذا أمر ينبغي التفطن له؛ لأن بعض الناس يرى في نفسه أنه يحب فلانًا في الله ولله، وقد تكون هذه الدعوى غير صحيحة! وإنما يميل إليه لداعٍ آخر؛ كأن يحبه لماله، أو لجاهه، أو لوسامته، أو لدعابته، أو غير ذلك، فليفتش الإنسان في قلبه، ويفحص نواياه، ويحذر أن يصور له الشيطان أن انجذابه لفلان، أو علان، حب في الله، وليس كذلك.
عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ بالشَّامِ، فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا، وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ، إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، هَجَّرْتُ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: بِالتَّهْجِيرِ، وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَقَالَ: أَللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَللَّهِ. فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَبْشِرْ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللهُ عز وجل: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (١).
فقول الإنسان لصاحبه: إني أحبك في الله، دعوى سهلة، تحتاج لتحقيق، كما فعل معاذ- رضي الله عنه مع أبي إدريس الخولاني- رحمه الله، فمن وجد ذلك في نفسه حقًا، وصدقًا، فليخبر أخاه، كما ورد في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْلَمْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَعْلِمْهُ» قَالَ: فَلَحِقَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ. (٢) فينبغي ألا تبتذل هذه الكلمة، وتقال جزافًا.
أما الميل، فقد يكون في بعض الأحيان مباحًا، وقد يكون محرمًا، فقد
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٢٠٣٠) وقال محققو المسند: "حديث صحيح".
(٢) (أخرجه أبو داود في باب إخبار الرجل بمحبته إياه، برقم (٥١٢٥)، والنسائي في باب ما يقول لأخيه إذا قال إني لأحبك، في السنن الكبرى، برقم (٩٩٤٠)، وأحمد برقم (١٢٤٣٠)، (١٢٤٥٣). وإسناده صحيح.