تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الصنيع مما يتنافى مع الحزم، ومما يعرض صاحبه للزلل والخطل؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب (1)، فالعرب تقول: =الخطأ زاد العجول+. (2)

فليس من الحكمة أن يتعجل الإنسان إبداء الرأي؛ لأنه ربما جانب الصواب، وخالف الحقيقة، بل ربما قاده ذلك إلى أن يتعصب لرأيه ولو كان غير مصيب؛ كيلا يوصم بالعجلة والزلل.

بخلاف ما إذا تريث وتأنى؛ فإن ذلك أدعى لصفاء القريحة، وأحرى لأن يختمر الرأي في الذهن، وأخلق بالسلامة من الخطأ.

والعرب تمدح من يَتَرَيَّثُ، ويتأنى، ويُقلِّب الأمور ظهراً لبطن، وتقول فيه: =إنه لَحُوَّلٌ قُلَّبٌ+. (3)

بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل مايعلم حتى ولو كان متأنياً في حكمه، مصيباً في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولاكل مايعلم يقال.

بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه لنفسه إلا إذا استدعى المقام لذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة؛ فآراء المرء له، وأقواله عليه؛ فإذا صرح بآرائه صار أسيراً لها، مكبلاً في أغلالها، له غنمها، وعليه غرمها.

قال أحد الحكماء: =إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجدَّةً تعجب؛ فإذا سكنت القريحةُ، وعدل التأملُ، وصفت النفس_فَلْيُعِدِ النظر، وليكن فرحُه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءته+. (4)

(1) الرأي الفطير: هو الذي لم ينضج، والكلام القضيب: هو المرتجل. انظر زهر الآداب للحصري القيرواني1/ 154.

(2) مجمع الأمثال للميداني1/ 431.

(3) الأمثال لأبي عبيد ص100.

(4) زهر الآداب1/ 154.

أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أخطاء في أدب المحادثة والمجالسةص ١٨