العمود المقذوف ليسرع باتجاهها و لكنه يتوقف بشكل عجيب و فجائي قبل الوصول لها، و لكن يسلط عليها سموم غازات ثاني أوكسيد الكربون و حامض الكبريتيك ليسمم الناس و يقتلهم خنقا ثم تأتي الضربة القاضية و هي المرحلة الثالثة الأعنف من المأساة، إذ انهار المتبقي من العمود و حصل هجوم كاسح من الإعصار الحجري الحار و السريع و هو ما عرف في العلم الحديث بالانهيار البركاني فزحف على المدينة و على كل خليج نابولي ليجعلها أثرا بعد عين و يمسحها من الوجود فحنطت الجثث التي تبخرت مباشرة بفعل الكاربون الذي حرقها، فبقيت جثث الناس و الحيوانات منهم من كان يصرخ و منهم من يفعل الفاحشة و منهم من كان يهم لجمع نقوده التي وجدت بجانب هيكله العظمي و منهم من تعلق بأمه من الأطفال و غير ذلك من الصور المرعبة، و كأن المدينة أحيطت بجدار حجري زمني ليحفظها مدمرة كما هي لتكتشف بعد 1500 عام لتبقى شاهدة على عذاب ربك لقوم مسرفين كي يراهم من يأتي بعدهم ليتعظ و يتدبر.
كما يمكننا أن نستشهد بما حصل قبل 65 مليون عام لنفس المنطقة التي يتوقع العلماء سقوط النيزك فيها ألا و هي الأمريكيتان عند ما سقط نيزك تشيكسكولوب على شبه جزيرة يوكاتان فأحال القارتين الأمريكيتين إلى رماد و أنهى كل أشكال الحياة فيها، و كما فصلنا في كتاب الفلك من هذه السلسلة، و ما ذلك على اللّه ببعيد.
إن هذه الاستشهادات توضح بما لا يقبل مجالا للشك بأن أمر الحضارات البشرية لا يدوم على حال واحد، و أن البذخ و الترف و البطر و التكبر مآلها جميعا للزوال بأمر اللّه تعالى إما بفعل بشري أو بفعل طبيعي أو بفعل مادي، فهل من معتبر؟! ..
و لعمري أن كل ما يحصل في الأرض و على كافة الأصعدة لهو تحقيق لوعد اللّه و قرب الساعة فكل علاماتها الصغرى قد تحققت و ها نحن على أعتاب علاماتها الكبرى فكل ما أمامنا من مظاهر و فساد و اقتتال و انكباب على الدنيا و الهوى و الشهوات و ترك الدين و تحلل المجتمعات و كثرة الزلازل و البراكين و الحروب و انفلات الشباب و
النساء بدون واعز خلقي بهذا الشكل المخجل و تحول الحق إلى باطل و الباطل حقا لهو بالضبط ما وصف في ظاهرة (الأعور الدجال) الذي استعاذ منه كل الأنبياء و خاتمهم صلى اللّه عليه و سلم عدا أن شخص الدجال لم يظهر بعد، و لعل ذلك هو بداية ظهوره لتتبعه بقية العلامات الكبرى الأخرى، و اللّه أعلم.