تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله سبحانه أورد العلماء حياض معرفته، و خصهم بأشرف العلوم و أجل المطالب، و حري بمن آتاه الله هذه النعم و ابتلاه بها، أن يسعى في تصريفها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه و يرضاه، و إلا انقلبت تلك المنن وبالاً على حاملها، و قد أخذ سبحانه على أهل العلم في كتابه عهداً أكيداً، و ميثاقاً غليظاً، أن يبينوه للناس و لا يكتمونه، و أن يعملوا بما علموا، و يصدعوا بما عرفوا و أدركوا، و ألا يقولوا على الله إلا الحق، متحملين في ذلك اللأواء و الضراء، غير آبهين بجبابرة الأرض و جلاديها، (يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحدا إلا الله)، فمن أوفى بعهده و اتقى، جزي بالحسنى، و أثابه ربه في الدنيا ذكراً حميداً، و سمعةً طيبةً نضرةً، و في الآخرة يبعث في جوار النبيين الذين حمل دعوتهم، و بلغ رسالتهم بيضاء صافية، دون دخنٍ يشوبها أو تلبيس يعتريها، أما من نبذ ما آتاه الله وراء ظهره، و اشترى به ثمناً قليلا، فأولئك الذين ماثلهم الله سبحانه في كتابه بأحقر الأمثال، و أذل الأحوال، فقال (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)، وقال سبحانه (مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)، فليبصر كل حامل للعلم أو طالب له، مبلغه من أمانيه و آماله، (و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للكافرين) ..

إن عقوداً حالكةً مرت على بلاد الشام عموماً و سوريا خصوصاً، أحكم فيها الطاغوت أنيابه على عباد الله، و أعمل سهام مكره في دين الناس و عقيدتهم، فسلخ عنه زمراً كثيرة، و جموعاً غفيرة، عبر أبواقه الجاثمة الحاقدة، و أدواته من أهل الردة و النفاق، المتسترين بوشاح الدين و سيما الصالحين، حتى أضحى التحزب للبعث ضرورةً من الضروريات، و أوجب واجب في ذمّة الناس، فلا تستقيم حياتهم و لا دنياهم و لا معيشتهم، إلا إذا عنت وجوههم لطاغوتهم بإخلاص، و قدموا لحزبه قرابين الوفاء، ممزوجةً بذل التبعية و عار العبودية لغير الله، مع تنكيس الرؤوس و طأطأة الرقاب إذعاناً لكل ما يمليه الطاغوت متى يشاء و كيفما يشاء، فوئدت عقيدة أبناء الإسلام في مهدها، و تمخض من مدارس البعث التي يؤطر عليها الولدان أطراً، جيل استحكمت عليه مخالب الشر و أيادي الكفر، حتى غيب دين الله في فهمه و تصوره، بل لا يكاد يفقه فيه قولا و لا يدرك منه رشداً، و حسبنا الله و نعم الوكيل ..

ثم أمعن نظام الكفر في نشر الفساد و الرذيلة و إشاعة الفاحشة في كل زوايا البلاد و أرجائها، و أردى الناس إلى هوة نتنةٍ لا قرار لها، فحدث ما شئت عن أنواع الخنا و فنون الزنا، و العهر المقنن المنظم، و تعبيد الناس للشهوات و النزوات، دون وازع أو رقيب، مما هوى بالبلاد إلى أدنى دركات انحطاط الآداب و سفالة الأخلاق، و من زار الشام و سار في مناكبها، يدرك ذلك و يعاينه، و إلى الله المشتكى ..

وحرض المؤمنين ...... · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

وحرض المؤمنين ......ص ٤١