وقد بوب الإمام البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه باباً، فقال: (باب دعوة اليهود والنصارى وعلى ما يقاتلون عليه).
قال ابن حجر (1): (وقوله "وعلى ما يقاتلون"؛ إشارة إلى ما ذكر في الباب الذي بعده عن علي حيث قال: "أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا"، وفيه أمر صلى الله عليه وسلم له بالنزول بساحتهم ثم دعائهم إلى الإسلام ثم القتال).
ثم عقد الإمام البخاري بعد هذا الباب باباً آخر فقال (2): (باب "دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله")، وذكر تحته حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، ثم أورد البخاري نص الكتاب وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾).
ومن أصرح نصوص السنة بالإضافة إلى ما سبق على كون الجهاد لم يشرع أساساً إلا لتعبيد الناس لربهم بشتى صور العبادة، قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أحمد: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري) (3)، وهذه الغاية حتى يعبد الله وحده لا شريك له هي حقيقة دعوة الأنبياء والمرسلين، ومن أجلها خلقت السماوات والأرض، ومن أجلها قام سوق الجنة وسوق النار، ومن أجلها سلت السيوف من أغمادها نصرة لله ورسله.
* ... * ... *
بعد أن قمنا في الحلقتين السابقتين بتطواف حول النصوص الواردة في هذا الباب من القرآن والسنة: نحاول أن نقوم بدراسة تطبيقية لما تقرر معنا من كون الجهاد لم يشرع أساساً إلا لتحقيق عبودية الله في أرضه، نقوم بهذه الدراسة التطبيقية من خلال مبحثين:
(1) في فتح الباري، ج 6/ 108
(2) فتح الباري، ج 6/ 109
(3) مسند المكثرين: 5409