تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قِيلَ لأبي جَعفَرٍ المَنصور - الخَليفَةِ العَباسيِّ المَشهور، الَّذي كانَت مَمالِكُه تَملأُ الشَّرقَ والغَرب -: هَل بَقِيَ مِن لَذّاتِ الدُّنيا شَيءٌ لَم تَنَلْهُ؟ فَقال - وهُوَ مُستَوٍ عَلى كُرسِيِّهِ وسَريرِ مُلكِه -: «بَقِيَت خَصلَةٌ: أَن أَقعُدَ عَلى مِصطَبَةٍ، وحَولي أَصحابُ الحَديثِ - أَي طُلّابِ العِلم - فَيَقولَ المُستَمِلي: مَن ذَكَرْتَ رَحِمَكَ اللهُ؟»

يَعني فَيَقولَ: حَدَّثَنا فُلانٌ، قالَ: حَدَّثَنا فُلانٌ، ويَسُوقَ الأحاديثَ المُسنَدَة.

فَانظُر إِلى شِدَّةِ افتِقارِ هَذا الخَليفَةِ إِلى لَذَّةِ العِلم، وطَلَبِه تَحصيلَها، وَجَوَعَتَهُ إِلَيها.

ومَتى عُمِرَ القَلبُ بِلَذَّةِ العِلم سَقَطَت لَذّاتُ العاداتِ، وذَهَلَتِ النَّفسُ عَنها، فَالنَّضرُ بنُ شُمَيل يَقولُ: «لا يَجِدُ المَرءُ لَذَّةَ العِلم حَتّى يَجوعَ ويَنسَى جُوعَه».

بَل تَستَحيلُ الآلامُ لَذَّةً بِهَذِهِ اللَّذَّة.

ومُحَمَّد بن هارون الدِّمَشقيُّ يَقولُ:

لَمِحبَرَةٌ تُجالِسُني نَهاري ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أُنْسِ الصَّدِيقِ

وَرُزمَةُ كَاغِدٍ في البَيتِ عِندي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِن عَـدَلِ الدَّقِيقِ

تعظيم العلم · الصفحة ٦٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تعظيم العلمص ٦٣