تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَمَنْ سَبَرَ هَذِهِ اللَّذَّةَ فِي أَحْوَالِ السَّابِقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، رَأَى عَجَبًا، فَلِسَانُ أَحَدِهِمْ:

مَا لَذَّتِي إِلَّا رِوَايَةُ مُسْنِدٍ ... قَدْ قُيِّدَتْ بِفَصَاحَةِ الْأَلْفَاظِ

وَمَجَالِسٌ فِيهَا تَجِلُّ سَكِينَةٌ ... وَمُذَاكَرَاتُ مَعَاشِرِ الْحُفَّاظِ

إِنَّ لَذَّةَ الْعِلْمِ فَوْقَ لَذَّةِ السُّلْطَانِ وَالْحُكْمِ الَّتِي تَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَتُبْذَلُ لِأَجْلِهَا أَمْوَالٌ وَفِيرَةٌ، وَتُسْفَكُ دِمَاءٌ غَزِيرَةٌ.

بَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّسَفِيُّ مَهْمُومًا مِنْ ضِيقِ الْبَالِ، وَسُوءِ الْحَالِ، وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، فَوَقَعَ فِي خَاطِرِهِ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ مَذْهَبِهِ - وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ حَنَفِيًّا - فَأُعْجِبَ بِهِ، فَقَامَ يَرْقُصُ فِي دَارِهِ، وَيَقُولُ: «أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟! أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟!».

إِذَا خَاضَ فِي بَحْرِ التَّفَكُّرِ خَاطِرِي ... عَلَى دُرَّةٍ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْمَطَالِبِ

حَقَّرْتُ مُلُوكَ الْأَرْضِ فِي نَيْلِ مَا حَوَوْا ... وَنِلْتُ الْمُنَى بِالْكُتُبِ لَا بِالْكَتَائِبِ

وَلِهَذَا كَانَتِ الْمُلُوكُ تَتُوقُ إِلَى لَذَّةِ الْعِلْمِ، وَتُحِسُّ فَقْدَهَا، وَتَطْلُبُ تَحْصِيلَهَا.

تعظيم العلم · الصفحة ٦٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تعظيم العلمص ٦٢