تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجود حق في المال غير الزكاة

مسألة أخرى مما يتعلق في إيراد هذه الآية وهي هل في المال حق سوى الزكاة؟ الله عز وجل يقول: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى [البقرة:177]، ثم قال بعد ذلك: وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [البقرة:177]، يعني: أن الإيتاء في هذا الموضع هو غير إيتاء الزكاة، هل هذا الأمر واجب أم لا؟ نقول: ينظر بحسب العلة التي إذا انتفى هذا الفعل وجدت، الله سبحانه وتعالى بين أن البر الحقيقي من جهة الأصل الذي يريد الإنسان أن يدركه هو أن يفعل هذه الأفعال، وهي الإيمان على ما تقدم بأنواعه، كذلك أيضاً: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى [البقرة:177]، إيتاء المال إذا انتفى من الإنسان لا يدرك حقائق البر مما يدل على أن الإيتاء هنا سيق مساق الوجوب؛ لأنه إذا انتفى وقع الإنسان في الشهوة وعدم إدراك علل الشريعة، ولهذا هذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ ولكن نقول: إن المال فيما سوى الزكاة على حالين: الحالة الأولى: أن يكون في الأمة سنة ومجاعة وفقر وإعواز, فيجب على المنفق أن ينفق من أصل ماله إذا كان نصاب زكاته لا يكفي وجوباً, ولو استهلك ذلك ماله لدفع ضرر أعظم مما يحل به, وذلك أن الإنسان إذا كان لديه مال يغنيه, وأخرج شيئاً من زكاته لكن ما سد حاجة الأمة، والأمة تخشى الهلكة والمجاعة, فنقول: إذا كان إنفاقه لأكثر ماله ينقذ به حياة المسلمين من هلاك وجب عليه أن ينفق أكثر ماله ولو رجع فقيراً، وهذه المسألة لا خلاف فيها عند العلماء, حكى الاتفاق على هذا غير واحد من العلماء كأبي بكر بن العربي وغيره, وقد نص على هذا الإمام مالك رحمه الله في مسألة فداء الأسرى، قالوا: إذا كان للأمة أسرى وجب على المؤمنين أن ينفقوا ولو استنفذوا مالهم كله؛ لأن حرمة الإنسان في دمه وعرضه أولى من حرمة المال، ولهذا يدفع المال لفداء الأسرى وفكاك الرقاب، وكذلك أيضاً للعفو عن القصاص ولا يقتل

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير آيات الأحكامص ٢٥٣