ولذلك قامت عليه قيامة الجرائد الوطنية ورد عليها الأزهريون وغيرهم.
ولما اشترك الأزهريون بالحركة الوطنية عند قيام الوفد بها كان الشيخ بخيت
حربا لهم حتى قيل: إنهم هددوه وأسقطوه في مظاهراتهم وطعنوا فيه بخطبهم
وأسمعوه ما يكره في نفس الأزهر في أثناء تشييع جنازة الأستاذ الشيخ إبراهيم
القاياني رحمه الله تعالى.
وأما في هذه الكرة فقد اتفق مع الشيخ عبد الحميد البكري شيخ مشايخ الطرق
الصوفية على الاحتفال بسعد باشا في دار الثاني الواسعة وانضم إليهما كثير من
الشيوخ المدرسين في الأزهر، فكانوا من أرفع أنصار سعد باشا صوتا.
ولما اشتد الخلاف بين سعد ووفده والوزارة العدلية مال الشيخ بخيت بأعوانه
من الشيوخ إلى تأييد الوزارة مع حفظ خط الرجعة مع سعد أو الصلة به، وسعد
يرى تأييد الوزارة منتهى القطيعة له وللوفد بل للأمة، فمن أيدها لا يبقى له حبل
ولا خيط يصله به، فمن ثم عد الشيخ خصما وهدم ما بناه في هذه المدة القصيرة
من المنزلة الوطنية، وكثر طعن السعديين فيه من حيث صار العدليون يكبرون
مقامه ويلقبونه مع أنصاره من الشيوخ بأئمة الدين الذين يجب تقليدهم في السياسة
كما يقلدون في الدين.
ولكن زعيم هؤلاء الأئمة أو إمامهم لم يلبث أن جنى على نفسه جناية أدبية
تؤثر في صيت مثله ومقامه ما لا تؤثر الجنايات القانونية، ذلك بأن الشيخ بخيتا
افترض تألم الأمة المصرية على اختلاف أحزابها من نبز بعض الإفرنج لها بلقب
التعصب الديني من جراء ما سمي حادثة الإسكندرية؛ إذ زعموا أن بغض المصريين
للأجانب بسبب مخالفتهم لهم في دينهم هو الذي حملهم على الاعتداء عليهم -
افترض ذلك فنشر مقالة بليغة في فلسفة التعصب، اعتقد أن سيكون لها أكبر وقع
في قلوب جميع أحزاب الأمة وطبقاتها لما فيها من الحقائق المتجلية في أبهى
معرض من البلاغة والفصاحة بجمعها بين الجزالة وعلو الأسلوب والسهولة التي
تتناولها أفهام العامة.
فهي تشرح معنى التعصب وتبين كنهه وأسبابه ودواعيه وكونه من سنن
الاجتماع والعمران سواء كان مناطه الجنس والنسب، أو اللغة أو الوطن أو الدين،
وأنه كغيره من الغرائز والملكات الإنسانية له حد اعتدال يكون نافعا للأمم والشعوب
بالتزامه والوقوف عند حده، وطرفا إفراط وتفريط يعرض الضرر للأمة بتجاوز
حد الاعتدال إلى أي منهما، فالاعتدال في التعصب أن يكون تعاون الجماعة أو
الأمة الذين تجمعهم رابطة على ما يحفظون به حقوقهم ومصالحهم ويرفعون به
شأنهم في العلوم والأعمال التي يرتقي بها البشر وتتنافس فيها الأمم من غير تقصير
فيما ينبغي لذلك، يحول دون الغاية وهو التفريط، ولا إسراف يحمل على ظلم
الخارج عن هذه الرابطة والاعتداء عليه لأنه مخالف، وهو الإفراط.
وكل من تجلت له هذه الحقيقة من مرآة الشعب المصري يجزم بأنه لا يزال
أقرب إلى التفريط فيما ينبغي له من حفظ جامعته القومية والوطنية وإعلاء شأنها
بمساماة الشعوب العزيزة، منه إلى الإفراط الحامل على العدوان على المخالفين
وهضم حقوقهم، كما يفعله جميع المستعمرين من الإفرنج، فنشر المقالة في هذا
الوقت كان عملا نافعا من وضع الشيء في محله في الوقت المناسب له.
ولكن المقالة ليست من إنشاء الشيخ محمد بخيت الناشر لها في الأهرام، ولا
هو بالذي يقدر على كتابة مثلها في أسلوبها، ولا تحرير الحقيقة التي شرحت فيها،
بل هي من مقالات الأستاذ الإمام (الشيخ محمد عبده) الشهيرة التي نشرت في
جريدة (العروة الوثقى) التي أنشأها هو وأستاذه موقظ الشرق وحكيم الإسلام السيد
جمال الدين الأفغاني (قدس الله روحيهما) في باريس عقب احتلال الإنكليز لمصر
لمقاومة الاحتلال ودعوة المسلمين إلى الاتحاد، وكان السيد هو المدير السياسي،
والأستاذ هو المحرر الأول لها، وقد نشرنا هذه المقالة في المنار من زهاء عشرين