على ما يتفق مع مطلب الأمة ومبادئ الوفد، كالنص على إلغاء الحماية البريطانية
على مصر حتى أمام الدول الأجنبية وعلى الاستقلال الدولي التام المطلق في الداخل
والخارج، ويليه شرطا إلغاء الحكومة العرفية والمراقبة على الصحف لتكون الأمة
وصحفها حرة في أقوالها وأفعالها لا مسيطر عليها في إبداء رأيها إلا القانون، فلم
ينفذ شيء من ذلك، ويقولون أيضا: إن الرئيس لم تبق له ثقة باقتدار عدلي باشا
على تحقيق مقصد الأمة المصرية بعد أن تمحصت قضيتها؛ لأنه يرضى بدون ما
ترضاه، ولا ثقة له بأعضاء الوفد المتحيزين إليه، فهذا كله مما كتب، وهو يفيد
أنه لم يعد اشتراط كون أكثرية الوفد الرسمي من أعضاء الوفد غير الرسمي مفيدا،
فإذا ألف عدلي الوفد الرسمي فجعل ثلثهم من رجال الحكومة الذين على رأيه
والثلثين من أعضاء الوفد غير الرسمي وكان نصفهم من المتحيزين إليه تكون بيده
الأكثرية الساحقة، وإذا كان مع هذا هو الرئيس الذي يتولى إدارة المفاوضة فلا
يبقى لرأي سعد باشا معه تأثير، فلهذا اشترط أن يكون هو الرئيس للوفد الرسمي لا
لمجرد حب الرياسة، فإنه ليس فوق ما خولته إياه الأمة من الزعامة فيها والرياسة
لها، غاية تطلب.
وأظهر حجة لبعض العدليين، رضيها بعض المعتدلين هي أن الوفد الرسمي
الذي ترضى بريطانية العظمى أن تتفق معه؛ لا بد أن يكون من قبل عظمة السلطان،
فإذا جاز أن يرسم السلطان لغير رئيس حكومته بتأليفه فلا يجوز أن يجعل سعد
باشا هو الرئيس له؛ إذ لا صلة بينه وبينه يعرف بها رأيه وفكره ودرجة إخلاصه
له، وهؤلاء ينكرون على سعد باشا عدم زيارته للسلطان عقب عودته، وهو يعلم
أيضا أن الحكومة البريطانية لا ترضى برئاسة سعد باشا، فإذا كان الأمر كذلك فلا
ينبغي لسعد باشا أن يوجه كل نفوذه في الأمة إلى منع ما اتفقت عليه الحكومتان
بمحاولة إسقاط عدلي باشا وإلجائه إلى استعمال نفوذ حزبه ونفوذ الحكومة إلى جزائه
على عمله بمثله الذي أدى إلى شق عصا الوحدة وخسارته، بل خسارة البلاد ما كان
من إجماع الأمة على زعيم واحد وهو (سعد باشا) وكان يكفيه ألا يؤيده، ولا يشاركه
في المفاوضة ويقف له ولوفده الرسمي بالمرصاد، فإن جاء الاستقلال التام الذي
يرضاه هو والأمة لم يكن عليه أدنى غضاضة في قبول ذلك وتوجيه نفوذ زعامته إلى
النهوض بأعباء هذا الاستقلال الذي يشهد الجميع بأنه حجر الزاوية له، وإن وقع
الاتفاق الرسمي باسم من كان عونا له لا خصما. وإن جاء بحماية مقنعة أو استقلال
صوري مقيد بقيود الإمبراطورية البريطانية ومغلل بأغلالها، فليحمل عليه بحمل
الأمة على رد هذا الاتفاق وعدم التصديق عليه، فإذا لم ينفذ الاتفاق حينئذ نكون باقين
في موقفنا، بل أقوى مما كنا بعد اعتراف إنكلترة لنا بما اعترفت به، وإذا نفذ نكون
قد ربحنا ما تركته لنا من حقوقنا من حيث لم تتقيد الأمة بالاعتراف لها بشيء بإثباتنا
حينئذ أن الوفد الرسمي المفاوض لا يمثل الأمة، أو لم تقره الأمة على ما عقده.
والسعديون يردون على هؤلاء بأنهم موقنون بأن عدلي لا يأتي إلا بالحماية
المقنعة، وبأن السكوت أو ترك المعارضة يفضي إلى نجاح الوزارة في اغتصاب
الثقة بها من الأمة بنفوذ الحكومة المعزز بالرجال والمال، ثم إلى التصديق على ما
تتعاقد عليه مع الحكومة البريطانية، فإذا اجتمعت القوتان على ادعاء هذا التصديق
والإقرار له وكونه مبنيا على تلك الثقة والتفويض، فماذا تفعل الأمة الضعيفة بعد
ذلك؟ فهذه صفوة حجج الفريقين في جوهر الموضوع وموضع النزاع، وما نحن
لما عدا ذلك من المراء والجدل بناظرين.
الموازنة بين الرئيسين
(15) عدلي باشا يكن رجل عزيز النفس، كريم النحيزة، مهذب الأخلاق،
رقيق الطبع، أبي، مترفع في غير كبرياء، مبالغ في حفظ كرامة نفسه، مع
المراعاة لكرامة معاشره وجليسه، واسع الحلم، نزيه النفس واللسان قليل الكلام،