ومن ورائها الأمة البريطانية بحكومتها وجرائدها، ويالها من قوى هائلة تستغيث
من هولها الأمم، وتخشى صولتها كبرى الدول، فظهر بذلك صدق ما قيل من أنه
قد تقرر في إنكلترة أن يتولى عدلي باشا الوزارة ويؤيده الوفد، ثم يكون هو الذي
يعقد الاتفاق بين بريطانية العظمى ومصر على قواعد تقرير ملنر بشرط إلغاء
الحماية واستبدال علاقة بريطانية أخرى بها.
فوقع بذلك الشقاق في الأمة، وانشقت عصا تلك الوحدة التي ليس لمصر من
دونها حول ولا قوة، فكان هذا أول طلائع الظفر البريطاني الذي يغالب جميع
الخطوب بالصبر والجلد، مع الدأب في العمل.
وقل من جد في أمر يحاوله ... واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
ففيم كان هذا الشقاق الذي شوه تلك السمعة الشريفة التي نالتها مصر في العالم
كله بوحدتها واتفاق كلمتها مدة عامين؟ هل هو شقاق في المذهب السياسي أم تنازع
على الزعامة والرياسة بين الأفراد وانتصار كل فريق لزعيم لتفضيله إياه في
الزعامة للمصلحة العامة أو المنفعة الخاصة؟ ومن المذنب المسئول؟ وأي الحزبين
هو الظافر وأيهم المغبون؟
موضوع الشقاق وزعيماه
(14) من القضايا التي صارت معروفة لكل أحد أن وحدة الأمة المصرية
التي كان يمثلها سعد باشا زغلول رئيس الوفد المصري قد انصدعت فصارت الأمة
في طريق السعي إلى استقلالها فريقين، وأن زعيم الفريق الأكبر أو الأكثر هو سعد
باشا ويعبر عن أفراد حزبه بالسعديين، وأن زعيم الفريق الأصغر أو الأقل هو
عدلي باشا، ويعبر عن أفراد حزبه بالعدليين، وأن كل قوة سعد مستمدة من الأمة،
وأن جل قوة عدلي مستمدة من الحكومة المصرية التي هو رئيسها والسلطة
البريطانية الموجدة لهذه الحكومة، وأن هذا الصدع قد كان من قبل الزعماء الذين
أسسوا بناء الوحدة بما كان من استعداد الأمة له وهم زعماء هذه الوزارة وزعماء
الوفد الذي تأسس بمساعدتها بما وقع من الخلاف بينهم، فهم المسئولون، وإن
التنازع على رئاسة الوفد الرسمي الذي يتولى عقد الاتفاق بين بريطانية العظمى
ومصر إذا أمكن قد كان من أسباب هذا الخلاف.
هذه قضايا لا مراء فيها، والعدليون يتهمون سعدا بأنه لا عذر له في الامتناع
من تأييد الوزارة إلا حب الرئاسة، وقد أذاع كتابهم في جرائدهم وغيرها أن المسألة
شخصية، وهذا عار كبير على الأمة بأسرها، وسعد باشا يحتج بأنه يجب أن يكون
هو الرئيس للوفد الرسمي؛ لأنه هو الممثل للأمة التي وعدت الحكومة باتباع
إرادتها في قضيتها السياسية، والوزارة الحاضرة ليست إلا وزارة الحماية الإنكليزية،
فهي مظهر للسلطة البريطانية، فإذا كانت هي التي تتولى إدارة المفاوضة ثم
الاتفاق مع بريطانية فكأن ملك الإنكليز هو الذي يتفق مع نفسه، وأن ما تعتذر به
الوزارة أو تحتج به على ما تحرص عليه من جعل رئاسة الوفد الرسمي لرئيسها،
وهو أن التقاليد المتبعة في جميع الدول أن رئيس الحكومة هو الذي يرأس كل
جماعة رسمية يكون فيها، وهو الذي يعقد المحالفات والاتفاقات مع الحكومات
الأخرى - عذر باطل وحجة داحضة، فإن ما ذكروه من تقاليد الحكومات المستقلة
النيابية التي يمثل رئيسها الحكومة والأمة جميعا إذ لا يكون رئيسا لها إلا بتأييد
مجلس نوابها الممثل للأمة، وهذا مباين لحال الوزارة المصرية.
ويقول العدليون: إن الوزارة أجابت سعد باشا إلى جميع ما اشترطه لتأييد
الوفد لها إلا مسألة الرياسة، فمهما يكن له من حجة على طلب هذه الرياسة لنفسه،
فليس له أن يوقع الشقاق في الأمة لأجله، وناهيك بقبول كون أكثر أعضاء الوفد
الرسمي من أعضاء وفد الأمة الذين يختارهم رئيسه، وكون الثقة بشخص عدلي
باشا لا نزاع فيها، وسعد باشا وحزبه يرددون هذا القول بكلام لم ينشروه كله في
الجرائد، فينكرون إجابة ما عدا شرط الرياسة من شروط الوفد، فقد كان أهم
الشروط إصدار المرسوم السلطاني ناطقا بتحديد الأساس الذي تجري فيه المفاوضة