تقنع العالم الإسلامي بأن قتالها للدولة العثمانية ليس عدوانا على الإسلام وسلطانه
لأجل تقليص ظله من الأرض، بل لتحيزها إلى أعدائهم الألمان عليهم وعلى
أحلافهم - إلا إذا أعطت العهد والميثاق بالاعتراف باستقلال البلاد العربية التي هي
مهد الإسلام، وفيها معاهده المقدسة: الحرمان الشريفان والمسجد الأقصى في
القدس، ومعاهد العلم ومشاهد الأئمة للشيعة في النجف وكربلاء وهي مظهر
حضارة الإسلام العربية، وموطن الخلافتين الأموية والعباسية، مع بيان ما في ذلك
من الفوائد السياسية والاقتصادية والأدبية التي شرحناها لهم بالصدق الخالي من
شوائب الإيهام، وستنشر هذه المذكرات في يوم من الأيام، مع مكتوبات أخرى في
المسألة عظيمة الشأن.
خاب سعينا إلى ما سعينا إليه من عهد أو وعد رسمي بذلك، ولم نغتر
بالإيهامات التي كانت تصدر أحيانا من برقيات روتر وأقوال بعض الجرائد
الإنكليزية بوعد بريطانية العظمى بالعطف على العرب، وما ينتظر من سعادة
البلاد العربية إذا تحررت من سلطة الترك، وإعادتها مجد هارون الرشيد والمأمون،
وعلمنا مما دار بيننا وبين رجالهم الذين بمصر، ومن مذاكراتنا مع السر مارك
سايكس الذي أرسلته السلطة العليا من لندن إلى مصر والعراق لدرس المسألة
العربية سنة 1915 - أن القوم ثابتون على طمعهم في بلادنا، وهو ما كنا نعلمه قبل
الحرب بسنين كثيرة، ونوهنا به في المنار مرارا، وكان لهم طمع في مساعدتنا
إياهم على إقناع العرب بما أشرنا إليه آنفا، ولو بكتابة شيء ما في جريدة الكوكب
التي أنشئت لأجل هذا الخداع، فخاب أملهم فينا كما خاب أملنا فيهم.
***
ما كان بين الإنكليز
وأمراء العرب
ولى الإنكليز وجوههم شطر أمراء العرب وزعمائهم في الجزيرة والعراق
وسورية للاستعانة بهم على مناوأة الدولة العثمانية بالخروج عليها أو خذلانها،
فأعرض عنهم إمام اليمن، ووالى الدولة في الحرب كما عاهدها في السلم، وواتاهم
أمير نجد وسيد عسير على الوقوف على الحياد، ووالاهم شريف مكة بإعلان
استقلال الحجاز ومقاومة طغمة الاتحاد والترقي الطاغية الباغية أولا، ثم بمناوأة
الدولة ومحاربتها ومساعدة الجيش الإنكليزي على فتح بيت المقدس والشام، وقد
انخدع أهل سورية والعراق بهذه الموالاة والمحالفة، وصدقوا التغرير الذي كان
يوجه إليهم في المنشورات والجرائد، ولا سيما جريدة الكوكب، ووافق ذلك شدة
طغيان الاتحاديين وتنكيلهم بعرب سورية والعراق تقتيلا وتصليبا وتغريبا وتعذيبا،
فوجد المضطهدون منهم مهربا وملجأ من العذاب، ففروا إليه بآمال كبيرة إذ ظنوا
أن حوادث الزمان قد مهدت السبيل بهذه الحرب واشتغال الدول الأوربية الطامعة
بعضها ببعض لاستقلال البلاد العربية وإعادة حضارة العرب الزاهية العالية التي
يفتخر بها التاريخ، ولعمري إن الفرصة قد كانت سانحة لو وجد في البلاد العربية
زعماء أكفاء يغتنمونها من غير أن يجنوا على الجامعة الإسلامية بإسقاط الدولة
العثمانية.
***
ثورة الحجاز والاتفاق مع بريطانية
كانت حركة الشريف الأولى في الحجاز من النتائج التي تقتضيها المقدمات
التي سبقتها بحسب سنة الاجتماع، وكان يمكن أن يكون أقل ما يقال فيها ما قلناه
عقب حدوثها، إما أن تنفع وإما ألا تضر، وأكبر ما يرجى منها أن تتخذ وسيلة
لجمع كلمة العرب في الجزيرة وتنظيم القوة لحفظ البلاد العربية من السقوط تحت
سلطة دولة أجنبية إذا غلبت الدولة بالتبع لانكسار حليفتيها الكبريين ألمانية والنمسة،
وكان هذا ما يجب القيام به على من استطاع إليه سبيلا من كل عربي وكل مسلم
أيضا، ولو كان من الترك الذين يهمهم شأن الإسلام. ولما ذهبت إلى الحجاز عقب
ثورته لأداء فريضة الحج صرحت لأميره (وملكه اليوم) برأيي وما أعجبني من
جعل خروجه وعدائه خاصا بالاتحاديين الذي فرقوا الكلمة ونكلوا بالعرب السوريين