أبي وقاص أحد العشرة وسيدا شباب أهل الجنة أول من يتناولهم هذا الوعيد الشديد؟
أوليس من علامة وضع الحديث ترتيب الثواب العظيم، أو العقاب الشديد
فيه على التافه من العمل؟ وقد قال ابن الجوزي بأن هذا الحديث موضوع، وخطأه
من صححوه وحسنوه من حيث السند على أن فيه عبد الكريم غير منسوب، قيل:
إن كان الجزري فقد روى عنه الشيخان نقول، ومنع ابن حبان الاحتجاج بما ينفرد
به كهذا الحديث، وإن كان ابن أبي المخارق فضعيف، وقد اضطروا إلى تأويل
الوعيد فيه بالتكلف.
وأما قول السائل: إذا كان الحديث صحيحا فما حجة من يحلق لحيته من
المسلمين بما فيهم من حملة الشريعة - فجوابه أن المسلمين قد ترك الكثيرون منهم ما
هو أعظم شأنا من قص الشارب وإعفاء اللحية من السنن والآداب الإسلامية من
دنيوية واجتماعية ودينية، وكثيرا من الفرائض أيضا، وقلما يحتجون لشيء من ذلك
إلا إذا قال أو عمل به بعض شيوخهم في الفقه أو التصوف، وقد يقولون: إن
جمهور علمائهم يقولون باستحبابه لا وجوبه مثلا، والصواب أن كل قوم يعملون بما
ألفوا واعتادوا من هذه السنن، حتى إن بعض السلف تهاونوا في بعضها، ولأجل هذا
توسعنا في المسألة بذكر سنة الخضاب التي لم يتعودها إلا القليل منهم منذ عصر
السلف، فقد روي أن الإمام أحمد رأى رجلا قد خضب لحيته، فقال: إني لأرى
رجلا قد أحيا ميتا من السنن، وفرح به، وروي عنه في ذلك أقوال أخرى،
ونضرب له مثلا من المقابلة أعظم من هذا؛ لأنه في مسألة عملية تتعلق بعقيدة
التوحيد، وهو ما ورد من حظر الصور والتماثيل والأمر بطمسها، وحظر تشريف
القبور، ولا سيما قبور الصالحين واتخاذها مساجد ووضع السرج عليها، والأمر
بتسوية القبور المشرفة المرتفعة عن الأرض بالتراب، كل ذلك صح في الأحاديث
وعلته أنها من أعمال الشرك والوثنية التي سرت إلى أهل الكتاب من الوثنيين،
ولكن المسلمين تركوا العناية بالتصوير والصور والتماثيل، حتى ما لا دخل له في
الوثنية وأمور الدين بوجه من الوجوه، وإن كان من أهم منافع الدنيا ومصالحها
كاللغة والحرب، وعنوا بمقابر الصالحين حتى اتخذوها مساجد، وشرفوها ورفعوا
بنيانها، وحبسوا الأوقاف على عمرانها ووضع السرج والمصابيح عليها، وصاروا
يشدون الرحال إليها ويطوفون بها تدينا، فوقعوا في كل ما حرم الشرع بناءها
وتعظيمها لأجله، والفقهاء يقرونهم على ذلك، والقضاة يحكمون بصحة أوقافهم،
وهم يقرءون الأحاديث الصحيحة في لعن من فعل ذلك.
أكبر أسباب تهاون المسلمين بأمور دينهم وآدابهم ومشخصاتهم الملية في أكثر
البلاد أمران (أحدهما) ترك العلماء فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر و (ثانيهما) عدم وجود حكومة إسلامية تحافظ على الشعائر
الدينية، ومقومات الأمة ومشخصاتها الملية، ولذلك لا ترى مثل هذا التهاون في
بلاد نجد وبلاد الأفغان وكذا بلاد اليمن التي لم يتول الترك الحكم فيها، كجبال
الزيدية، ولكن بعض هؤلاء المتدينين قد غلوا في دينهم حتى وقعوا في مثل ما
أنكروا، وفيما هو شر منه كتحريم ما لم يحرم الله ورسوله، افتراء على الله،
وقولا عليه بغير علم، وتكفير المسلمين بما ليس كفرا ولا محرما.
وقد فتن أهل البلاد العثمانية والمصرية بتقليد الإفرنج والتشبه بهم، كما هو
معروف، ومن المجرب أن كثيرا من الذين يتركون أزياءهم من المسلمين ويلبسون
الزي الأفرنجي يتهاونون بأمور الدين، ويتجرأون على الفسق والفجور، وإن
اختلاف الزي كان من أسباب ضعف الرابطة الملية والقومية، وقاعدة سد ذرائع
الفساد ثابتة في شرعنا، ومن غير زيه لأجل التوسل به إلى المعاصي كان تغييره
معصية، ومن خاف على نفسه ذلك فليس له أن يقدم عليه، والذين لا يبالون بهذا
إذا كان لعدم إذعان أنفسهم للأمر والنهي فليسوا على شيء من الدين، ولعل هذا ما