إن الإسلام لم يقيد المسلمين بزي خاص، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يلبس زي قومه الذي كانوا عليه في الجاهلية في عامة أيام رسالته، وقد عرض له
لبس أزياء غيرهم من الأمم فلبسه بيانا للجواز كالجبة الرومية من لباس النصارى
كما ثبت في الصحيحين، وجبة الطيالسة الكسروانية من ملابس المجوس كما ثبت
في صحيح مسلم، فالأصل في الأزياء الإباحة كأمثالها من العبادات، وقد تعتريها
الأحكام الخمسة بما يعرض عليها من دفع ضرر يقيني أو ظني، أو وقوعه، أو
تحصيل نفع كذلك، ومما سبق لنا بيانه غير مرة أن بعض كبار العقول من
المسلمين قد تنبهوا ونبهوا لما في مسألة الزي من التأثير السياسي والاجتماعي
فكرهوا أن يقلدوا غيرهم من الأمم في أزيائهم في أثناء الفتوحات العربية وغيرها؛
لئلا يندغموا في الأمم التي فتحوا بلادها بسبب قلتهم فيها، ولأنهم جاءوا ليكونوا
أئمة هادين متبوعين لا تابعين، وقد اتبعهم الأوربيون في هذا المعنى.
وأول من تنبه لذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد
روى مسلم أنه كتب إلى جيشه وهم في أذربيجان مخاطبا قائده: يا عتبة بن فرقد،
إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في
رحلك وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك إلخ، قال النووي في شرح مسلم: وقد جاء
في هذا الحديث زيادة في مسند أبي عوانة الإسفراييني بإسناد صحيح قال: أما بعد،
فائتزروا وارتدوا، وألقوا الخفاف والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل،
وإياكم والتنعم وزي الأعاجم، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وتمعددوا
واخشوشنوا واقطعوا الركب، وابرزوا وارموا الأغراض اه. وقوله تمعددوا،
معناه تشبهوا بجدكم معد بن عدنان في أسباب القوة والصلابة، وهذا نحو ما يعرف
في تاريخ اليونان عن الإسبرطيين والتشبه بهم في مصارعة الشدائد.
ثم إن المسلمين لبسوا كل زي في بلاد أهله وفي بلادهم، وقد لبسوا في زمن
المنصور بأمره قلانس كقلانس الكفار، ولم ينكر ذلك أحد من العلماء كما أنكروا
على السلطان محمود العثماني استبدال زي الإفرنج بزي قومه المعروف، ثم زال
الإنكار، وللمسلمين في الأقطار المختلفة أزياء كثيرة طبعت صورها حديثا في
صحيفة كبيرة إحدى إدارات الجرائد الإنجليزية، وفيها يرى الناظر ما يرى من
المشابهة بينها وبين أزياء الملل الأخرى.
وما قاله الفقهاء في حكم من لبس ملابس الكفار فهو مبني على مدرك نظري
معروف، وهو أن من يلبس ملابس أهل ملة مما هو خاص بدينهم تفضيلا لتلك
الملة على ملته كان مرتدا، وهذا اللبس بشروطه دليل على الردة عنها والانضمام
إلى غيرها، ولكنه غير مطرد، وإذا صح للفقيه أن يذكره للتنبيه والتذكير والتنفير
فلا يصح للمفتي ولا للقاضي أن يأخذ به عند الفتوى أو الحكم في النوازل
والدعاوي المعينة على علاته، ولا يصح بالأولى أن يحمله على نفسه من يلبس
لبس أهل ملة لسبب من الأسباب التي لا تنافي الدين ولا تخل بالإيمان كالأسباب
الصحية، ومنها اتقاء الحر والبرد، أو الاقتصادية، أو السياسية كالعيون
والجواسيس، أو العسكرية، أو الاجتماعية، كمن وجد مع قوم وهو يعلم أنه إذا
ظهر بزي مخالف لزيهم يتأذى باحتقارهم إياه، أو تشهيرهم به، أو كثرة التطلع
إليه والاستغراب لزيه، وقد ورد في السنن النهي عن لبس الشهرة والوعيد عليه في
حديث أبي ذر عند ابن ماجه والضياء، وحديث ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه
وحسنوهما، وأكثر من يغير زيه من المسلمين الذين يذهبون إلى أوربة فإنما
يغيرونها للسبب الأخير، ولا سيما التغيير بلبس القبعة المعروفة بالبرنيطة، فإنه لم
يبق فارق بين كثير منهم وبين الأوربيين إلا فيما يوضع على الرأس، والبرنيطة
هذه ليست شعارا دينيا للإفرنج، ولا هي خاصة بهم، وقد ثبت أن بعض عرب
اليمن صنعوها للوقاية من الشمس، ويسمونها المظلة، ولا يخطر ببال أحد ممن