تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد امْتُحن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (ت: 241) فِي أَيَّامِ الْمَأْمُونِ ثُمَّ الْمُعْتَصِمِ ثُمَّ الْوَاثِقِ بسبب القرآن العظيم, وَناله الكثير من الأذى, وأُودِعَ السِّجْنَ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا, وضُرب أكثر من ثَلَاثِينَ سَوْطًا، لَكِنْ كَانَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا شَدِيدًا جِدًّا.

وأُغْمِيَ عَلَيه وَذَهَبَ عَقْله مِرَارًا خلال الضرب.

وَجَعَلَ كُلَّ مَنْ سَعَى فِي أَمْرِهِ فِي حِلٍّ إِلَّا أَهْلَ الْبِدْعَةِ، وَكَانَ يَتْلُو فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [ النُّورِ: 22 ], وَيَقُولُ: مَاذَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بسببك؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [ الشُّورَى: 40 ] وَيُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: "لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ", فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا. البداية والنهاية: 11/45-47

وكان رجلٌ يعرِّض بالقاضي محمد بن بشير رحمه الله (ت: 198)، حتى بلغ ذلك ابن بشير، فقال له: إنَّ الشر لا يعجز عنه أحد، وإنَّ الخير لا يناله إلا أهل الصبر الجميل، فاقصُر عما بلغني عنك فإنه أجمل بك. ترتيب المدارك (1/517)

وقال ابن القلانسي: سمعت الشيخ تقيَّ الدين رحمه الله (ت: 728) يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطانَ استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشْنَكير، وأنهم قاموا عليك وآذوْك أنت أيضاً! وأخذ يحُثُّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم- وإنما كان حنقُه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير- ففهم الشيخ مراد السلطانِ، فأخذ في تعظيم القضاةِ والعلماء، وينكرُ أنْ ينال أحداً منهم سوءٌ، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم. فقال له: إنهم قد آذوك؛ وأرادوا قتْلَك مراراً، فقال الشيخُ: من آذاني فهو في حِلٍّ، ومن آذى الله ورسوله فاللهُ ينتقمُ منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلُم عنهم وصفح.

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابنِ تَيْميَّةَ، حرَّضْنا عليه، فلم نَقْدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجَجَ عنا. البداية والنهاية 14/129

وقال ابن القيم رحمه الله: وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.

وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتَنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام, فسروا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه. مدارج السالكين 3/139

مختصر حياة السلف بين القول والعمل · الصفحة ١٩٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر حياة السلف بين القول والعملص ١٩٩