(قلت : وذلك كما قال يحيى بن سعيد القطان في عاصم بن سليمان الأحول : " لم يكن بالحافظ "(1) ، فإن عاصماً كان من الثقات المتقنين ، ولكن جفَّتْ فيه عبارةُ يحيى ، وغاية القول : أراد بالنظر إلى أقرانه من البصريين.
ومما يبينه أيضاً أن ابن أبي حاتم سأل أباه عن حديث يرويه حُميد بن قيس الأعرج وقد اختُلف عليه فيه ؟ فقال : " إن كان شيء فمن حميد ؛ لأن حميداً ليس بالحافظ "(2) .
قلت : وحميد هذا من الثقات ، وإنما فيه لِين يسير .
وسأل البرذعي أبا زرعة الرازي عن رواية يونس بن يزيد الأيلي عن غير الزهري ؟ فقال : " ليس بالحافظ "(3) .
قلت : أراد ليس بالمتقنٍ لما رواه عن غير الزهري إتقانَه عن الزهري ، ولهذا نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة إطلاقه القول في يونس هذا : " لا بأس به "(4).
وقال أبو حاتم الرازي في عبد الله بن نافع الصائغ : " ليس بالحافظ ، هو لين ، تعرف حفظه وتنكر ، وكتابه أصح"(5) .
قلت : وهو عندهم جيد الحديث ، وهذا لا تخْرج عنه عبارة أبي حاتم هذه .
وقال ابن عدي في الهيثم بن جميل الأنطاكي : " ليس بالحافظ ، يغلط على الثقات "(6).
قلت : وهو موصوف عند عامتهم سوى ابن عدي بالحفظ والإتقان والثقة ، وكأنه لينه لوهم يسير وقف عليه منه ، والثقة قد يخطئ .
وممن يكثُر استعمالُه لها : أبو أحمد الحاكم ، ولفظُه بها : "ليس بالحافظ عندهم" ، فهو يلخص بذلك عبارة من تقدمه من نقاد المحدثين ، وقد يعني بها ما ذكرتُ من دلالتها على المنزلة المتوسطة للراوي ، وربما عنى الضعفَ الذي لحق الراوي بسبب سوء الحفظ والوهم والخطأ ، وقد يكون أثر ذلك في حديثه قليلاً ، وقد يكون كثيراً .
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (3/1/343) .
(2) علل الحديث (1419).
(3) سؤالات البرذعي (2/684).
(4) الجرح والتعديل (4/2/249).
(5) الجرح والتعديل (2/2/184).
(6) الكامل (8/399).