في المكاتب الحكومية أجبروا المراجعين المكاتبهم على شراء تلك المؤلفات، و إذا كانوا معلمين أو مدرسين أو أساتذة أجبروا تلاميذهم وطلابهم على شرائها.
وكل تلك المظاهر لا تتفق مع كرامة العلم والعلماء
لقد كان السلف الصالح من العلماء، يعلمون بدون أجر، وكان القادر ون ماديا يدفعون المال سرا لتلاميذهم وطلابهم.
فقد حضر أسد بن الفرات فاتح جزيرتي (قصرة) و (صقلية) ومصنف کتاب (الأسدية) في فروع المذهب المالكي (1)، مجالس الإمام محمد بن الحسن الشيباني (2) العامة في مدينة (بغداد)، فلم يكتف بذلك بل طلب أن يسمح له بوقت يخصه فيه بالدراسة، فقال أسد لمحمد بن الحسن: «إني غريب وقليل النفقة، والسماع عندك نزر، والطلب عندك كثير، في حيلتي؟!،، فرحب محمد بن الحسن باستزادة تلميذه من العلم، وقال له: «إسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتأتي فتبيت عندي، فأسمعك. قال أسد: «فكنت أبيت في سقيفة بيت يسكن محمد بن الحسن في علوه؛ فكان ينزل إلى، و يضع بين يديه قدحا فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل و رآني نعست، ملا يده ماء، ونضح به على وجهي، فأنتبه، فكان ذلك دأبي ودأبه، حتى أتيت على ما أريد من الساع عليه (3).
وقد أسبغ محمد بن الحسن الشيباني رعايته المادية والمعنوية على تلميذه أسد بن الفرات، كما كان يفعل السلف الصالح من العلماء بتلامذتهم. قال أسد: اکنت جالسا يوما في حلقة محمد بن الحسن، فصاح صائح: الماء السبيل .. فقمت مبادرة، فشربت من الماء، ثم رجعت إلى الحلقة، فقال محمد بن الحسن: يا مغربي! ... أشربت ماء السبيل!! .. فقلت: أصلحك الله، وأنا ابن سبيل! .. ثم انصرفت. فلما كان الليل، إذا
(1) انف تفاصيل سيرته في كتابنا: بين العقيدة والقيادة (249 - 377)
(2) انظر ترجمته في وفيات الاعيان
(3) 324 - 320)، و انظر مصادر ترجمته في كتاب السير الكبير (1/ 1.5)
(3) رياض النفوم (170/ 1)