والمس عظم أثر هذه التربية ، وتحولها إصرارا وثباتاُ في الدين ، وتجديد عزم على المضي ، حين يقول من سمع هذه البشرى : " فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ... فتصور هذه الدويرة الإسلامية المتميزة في الجزيرة الكافرة . كانت هناك طليعة إسلامية " تزاول نوعاً من العزلة من جانب ، ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة " (1) , وهي في الحقيقة استمرار للمفاصلة التي كانت في العهد المكي ، فظهرت في المدينة بصورة كاملة واضحة . و ما كانت نفوس المسلمين لتصبر في المدينة على لوازم هذه المفاصلة لولم تكن قد ربيت قبل الهجرة تربية صلبة عميقة على أولوياتها ومقدماتها ، فيومها : " في مكة ، لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة ، كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها ، وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين " (2) .. كان " الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين ، هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه ، والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبية المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع " (3) , فلما تجلى هذا التميز بصورة أوضح في المدينة ، صار المجتمع الإسلامي مناراً واضحاً في تلك الصحراء ، يأوي إليه الهائم والمتشكك ، ومن يحتدم في قلبه الصراع بين الإيمان والكفر الموروث .
فلما اتسع المجتمع الإسلامي ، وانتصر ، ودانت كل الجزيرة بدين الله : استمرت هذه الحاجة إلى مفاصلة بقايا الجاهلية المتماثلة ببقايا النفاق واتباع الشهوات .
(1) معالم في الطريق /9 .
(2) في ظلال القرآن 9/280
(3) في ظلال القرآن 9/280 .