تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي مفاصلة ثانية ، واجبة أيضاً . فكما أن المفاصلة الأولى أفادت في إيجاد عزة الإيمان في نفوس المفاصلين ، وفي جعل المدينة مناراً يأوي إليه الحائر ، فإن المفاصلة الثانية كانت ضرورية للحفاظ على نقاوة جهاز دولة الإسلام ، المحافظ على سمات حكمه وفقهه وتربيته وفتوحة . ومن هنا دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هذه المفاصلة الثانية بعبارة جامعة رائعة فقال : (إن لله عباداً يميتون الباطل بهجره ، ويحيون الحق بذكره) (1)

وقد استعمل كلمة الهجر للدلالة على المفاصلة التي نعنيها . وهذا يعني أن عنصر النفاق و ا تباع الشهوات كلما زاد في المجتمع ، زادت هذه الحاجة إلى هذا النوع الثاني من المفاصلة ، بعملية طردية ، ليبقى الباطل باطلاً مشاراً إليه بأصبع الاتهام ، و لئلا يحيله التقادم إلى حق موهوم في ذهن الذين لا يعون ، فينطلي زوره ، و ينسى الناس اعوجاجه ، و لئلا تستسيغه النفوس من بعد ، حين يطول الأمد .

و لذلك فإن الدعوة الإسلامية اليوم لا بد لها إزاء زيادة النفاق و الفسق و اتباع الشهوات في المجتمع الحاضر من هذه المفاصلة ، و من هذا التميز ، بشكل واضح صريح ، لتبقى الصورة الإسلامية جلية واضحة بدورها ، يمكن أن ينظر إليها من يبتغي النظر إليها ، ممن تحفزهم كلمات الدعاة لمحاولة اكتشاف أبعاد هذه الصورة ، و التفتيش عنها و تلمس مثل تطبيقي لها .

و الحقيقة أنه و إن افتقد الدعاة في هذا القرن صورة حكم إسلامي يصلح مثلاً لتطبيق الإسلام ، إلا أن هذا المثل يمكن أن يتجلى في بعض أشخاص من الدعاة ، تتضح فيهم معاني الإسلام ، ويكتسبون من هيبته ، و يبلغون الذورة في الإيمان والتجرد وتطبيق السنة النبوية الشريفة . وهذا هو معنى ( القدوة ) في صورتها البسيطة .

(1) كتاب الخراج لأبي يوسف 13 .

الرقائق · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٧٩