وليس يضيرنا ما نجده من اختلاف الفقهاء والباحثين تجاه حكم الشورى ن فإن بعضهم لم يصرح بوجوبها ، ولم يتجاوز ابن القيم اعتبارها من المستحبات ، ففى معرض كلامه عن بعض ما فى قصة الحديبية من الفوائد الفقهية قال : (ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه ، استخراجاً لوجه الرأى ، واستطابة لنفوسهم ، وأمناً لعتبهم ، وتعرضاً لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض ، وامتثالاً لأمر الرب فى قوله تعالى : وشاورهم فى الأمر ) (1) . ولغيره من الفقهاء ، منحى مقارب له ، وفى كلام بعض دعاة هذا العصر أيضاً.
إلا أن جمهرة أخرى مقابلة تصرح بالوجوب ، وأقوالها مشهورة ، ترى وجوب المشاورة ، ثم وجوب نزول الإمام أو القائد عند قول الأكثرية ، أنها ملزمة ليست معلمة فقط .
ومال الأستاذ عبد الكريم زيدان فى (أصول الدعوة) إلى القول بعدم إزامها للقائد الحركى ، وفى (الفرد والدولة فى الشريعة الإسلامية) إلى إلزامها للإمام الحاكم ، فى شبه تعارض ، ولكنه أراد أن عمل الدعوات تغلب عليه الظروف الصعبة ، ويتطلب سيرة منضبطة وحزماً زائداً قد يثلمه الإلزام ويكون معه الارتخاء ، بينما يكون للدول سعة وهيمنة وهيبة وظروف حسنة تساعد على الإلزام وتجعله أحوط .
وعلى كل فإن لكل فقيه حقاً فى الميل إلى أحد الرأيين حسبما يظهر له من معانى الأدلة ، ولسنا نميل إلى القول باطراد الإلزام فى الشورى ، ولا بإطراد عدم الإلزام ، وإنما نرى أن المؤمنين عند شروطهم ، ولكل حركة أن تدرس فى كل مرحلة أى حاجتيها أكبر : حاجتها إلى الرأى ، أم حاجتها إلى الحزم ؟ فتتخذ ما يناسب مصلحتها ، وتودع قرارها مادة فى النظام الداخلى واضحة تكون البيعة وفقها ، وتودى قرارها مادة فى النظام الداخلى واضحة تكون البيعة وفقها ، وللقائد أن يشترط لنفسه شروطاً إن كان يرى عدم تجاوز مجرد الإعلام ، فى غير ما هوى ، واعظاً نفسه بمعانى التقوى .
(1) زاد المعاد 2/127