الثاني من الحديث الثاني من الرسول صلى اللّه عليه و سلم أو من عمرو ابن العاص فإنها تشير إلى أمر ثالث و هو أن العقل الإسلامي هنا لا يبحث في الغرب عن السلبيات
فحسب و إنما يرى الإيجابيات و يعترف لهم بها: فهم أحلم الناس في مواجهة المشكلات، و أسرعهم نهوضا بعد النكسات، و أوشكهم كرة بعد هزيمة، و خيرهم في توفير الضمان الاجتماعي للمساكين و الأيتام و الضعفاء. و يتوج هذه الصفات الأربعة صفة خامسة جميلة و هي تمسكهم بالحرية و الديمقراطية و مناعتهم ضد استبداد الملوك و الرؤساء. و هذا منهج في النظر إلى الغرب يفيد في أوقات الحرب و السلم سواء. فهو يوجه المسلمين في أوقات الحرب أن يبصروا جانب القوة فيمن يواجهونهم فيتقونه، و أن يبصروا في زمن السلم مزايا الآخرين فلا يغمطونهم حقوقهم و يكسبون مودتهم «1» .
في وقتنا الراهن تمكنت الولايات المتحدة و التي تسمي نفسها روما الجديدة و تحمل في شعارها نفس النسر التي كانت روما تحمله، و تطلق على منتسبي حكومتها نفس الألقاب التي كانت تطلقها روما على كبار و أمراء دولتها و هو (السيناتور) ، بل و حتى مجلس الدولة الكبير (الكونغرس) يحمل من معاني تلك الحضارة الغابرة. نقول تمكنت هذه الدولة الحديثة من تشكيل تلك المقومات لصالحها، و لكنها غير قادرة على الحفاظ على تلك القيادة فتراها صعدت و وصلت للقمة و اليوم هي في طور النزول كما يحدد و يحذر الكثير من مفكريها و منظريها.
فعند ما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر من بناء دولة قوية ليست لها مثيل في بقية الدول، و ذلك بعد انتهاء حرب الاستقلال من السيطرة البريطانية و بعدها الحروب الأهلية، بحثت في التاريخ البشري و درسته جيدا فوجدت أن تاريخ المسلمين و دولتهم العظيمة كانت المثل الذي يحتذى به لبناء دولتهم الحلم، فسنت القوانين التي لا ينفذ منها على غرار ما فعله المسلمون الذين لم يتركوا أمرا في الشريعة و الأحكام و المعاملات إلا و أثروا فيه إثراء عظيما، فوضعوا لكل شي ء قانون سواء أ كان ذلك الشي ء أمرا من أمور الدين أو الحياة أو علما من العلوم الوضعية تماما كما جاء
(1) هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا عادت القدس، د. ماجد عرسان الكيلاني، ص 307- 309، بتصرف.