AUTO الباب الثاني: في كتابة العلم
(قال الفقيه) رضي الله تعالى عنه: كره بعض الناس كتابة العلم وأباح ذلك عامة أهل العلم، فأما حجة من كره ذلك فما روى الحسن البصري ((أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله إن ناسا من اليهود والنصارى يحدثون بأحاديث أفلا نكتب بعضها؟ فنظر إليه نظرة عرف بها الغضب في وجهه قال: ((أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم ببيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)) فقيل للحسن ما المتهوكون؟ قال: المتحيرون. وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ((أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة العلم الحسن فلم يأذن له)) وعن ابن مسلم قال: كان ابن عباس ينهى عن الكتابة ويقول إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة. وروى ابن أبي داود عن أبيه قال: جاء أصحاب عبد الله بن مسعود إلى عبد الله فقالوا إنا قد كتبنا عنك علما أفنعرضه عليك فتبينه لنا؟ قال: نعم، فأتوه بذلك فأخذ الكتاب فغسله بالماء ثم رده عليهم.
قال الفقيه: وذلك أنهم إذا كتبوا الكتاب اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ فيعرض على الكتابة عارض فيفوت علمهم، ولأن الكتاب مما يزاد فيه وينقص، ولأن الكتاب يمكن أن يزاد فيه ويغير والذي حفظ لا يمكن التغيير فيه، ولأن الحافظ يتكلم بالعلم والذي أخبر عن الكتاب أخبر بالظن من غير حفظ، وأما حجة من قال بأنه يجوز فما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب أنا، وعن ابن جريج بن معرور أنه قال: قال عبد الله بن عمر ((يا رسول الله إنا لنسمع منك الحديث أفنكتبه عنك؟ قال: نعم قلت في الرضا والسخط؟ قال: نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا)) وقال معاوية بن قرة: من لم يكتب علما فلا يعد علمه علما. وقال الله تعالى خبرا عن موسى عليه الصلاة والسلام حين سألوه عن القرون الأولى قال موسى عليه السلام: ﴿علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾. وعن ربيع بن أبي أنيس عن جديه زيد وزياد أنهما قدما على سليمان بن عبد الملك ليلا فلم يزل يحدثهما ويكتبان حتى أصبحا. وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا يعجزن أحدكم أن يكون عنده كتاب من هذا العلم، ولأن فيه بلوى فلو لم يكتب لذهب عنه العلم ولو كتب لرجع إليه فيما ينسى أو يشكل عليه مسرورا. وهذا كما حكي أن أبا يوسف عاب محمدا في كتابة العلم، فقال محمد: إني خفت ذهاب العلم لأن النساء لا يلدن مثل أبي يوسف ولأن الأمة قد توارثت كتابة العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)) وما رآه المسلمون شينا فهو عند الله شين)) وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة)) ولأنهم لما توارثوا ذلك صار ذلك سبيل المؤمنين حقا بدليل الخبر، وقال عليه الصلاة