تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اكتشفت بالمصادفة أنه يدخن، وجدت علبة تبغ أجنبية تحت المخدة، سألته وعرفت أنه يدخن أحياناً، تراجعت عن انتقادها، قالت في نفسها، إن هذا لا يضيره، آلاف الشبان يدخنون، حب التجريب والإطلاع دفعاها أن تشعل لفافة وتأخذ نفساً عميقاً، شعرت بمرارة ودوخة وألم في بطنها، خرجت إلى المغسلة وتقيأت ما في معدتها.

لم يكن التبغ ما شغل فكرها، بل شروده وشعوره بالانقباض وأحياناً بالعظمة، وإحساسه بوجود ضوضاء خارج البيت، ووجود موجات صوتية تعطي اهتزازات داخل الغرفة، بدأت تخافه خاصة بعد أن مدّ يديه وغسلهما من نقاط ماء مدلوقة على الأرض، إذ تصورها بحيرة، ضحكت وخرجت من الغرفة، وهي غير قادرة أن تنسى هذا الموقف. بدأت تسأل نفسها إن كان خطيبها إنساناً صحيح العقل. لامت نفسها على الموافقة قبل أن تعرف كل شيء عنه. في حالات صحوه يستغرب ما ينقل له عن حالته، ينكر أنه أقدم على ذلك، يرفض الذهاب إلى الطبيب ويعزو ذلك إلى السهر والإرهاق، إذ ادعى أنه لا ينام قبل أن يصلي الصبح، لم تكن تبريراته مقنعة. أتتزوج من شخص مريض؟ ندمت على سكوتها، اكتشفت عقم ثقافته وعدم قدرته على نقاشها وإقناعها في أي موضوع، إذا عجز يقول: «الله أعلم»، اتهمت أمها بأنها تدمر حياتها، تحول ندمها إلى كره للبيت، لخطيبها، للحياة. بدا قلقها واضحاً في المدرسة وأمام المعلمات. تغيرت تصرفاتها مع زميلاتها وتلميذاتها، آثرت الصمت، هجر المرح حياتها، تخرج صباحاً ولا تعود إلا ليلاً، ترفض الجلوس معه، ترفض الحديث مع أمها، تذهب إلى أختها، تبكي بين يديها على نصيبها وحظها العاثر، وأحياناً تنام عندها، هددت أمها بأنها ستسمم نفسها إن أرغمتها على الزواج منه، لن تتزوجه ولو لم يبق غيره في دمشق، تجيب على أسئلة أمها بكلمتين أو بهزة من رأسها، تردد كلما حل ذكره: "كرهته يا ماما، لا حياة مع الكره، كما أدخلته إلى حياتنا عليك أن تتصرفي."

لمن تصف حالتها؟ هزلت. لا تأكل ولا تشعر بطعم الحياة، ضائعة. بدت عليها علائم الشرود، سألتها أحب المعلمات إلى قلبها زميلتها هلا بقولها: "ما بك يا فرات؟"

لِمَ لا تفتح قلبها لصديقتها؟ إنها مدرسة معها، قد تخفف عنها وعلاقتهما جيدة، تدخن وبالتأكيد تعرف إن كان التبغ يخدر الجسم ويمنح شاربه شعوراً بالعظمة وحب الانزواء، وفي مرات كثيرة يفقد ملكة السيطرة على الأشياء وتقدير حجمها.

روايات · الصفحة ٩٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٧٨