تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا بوسعها أن تقول في شاب جاء يخطبها؟ والدها الذي يفيض بهجة على حياتها، باتت تحادثه من خلال صورته، تذكرت يوم قالوا لها إنه مات، لم تصدق، نظرت إليه وصاحت، استغربت كيف لا يرد ولا يتحرك ولا يبتسم، متأكدة أنه يسمعها ويعي ما تقوله، أبعدوها عنه وهي بين اليقظة والإغماء، نتفت شعرها ومزقت وجهها، لماذا تتذكر ذلك وهي أمام شاب وسيم؟ لو كان والدها على قيد الحياة، هل يقبل خطوبة كهذه؟ لم تفكر بالاقتران بشاب قبل الآن؛ مع أنها ارتاحت لعدد من زملائها في الجامعة، تخلصت من وجع رأسها وقررت أن تواجه الواقع، توافق على خطيبها شريطة أن لا تزف إليه قبل عام، وعلى نية التيسير والحلال قرئت الفاتحة، زغردت أم سمير ووزعت الحلوى على الجيران.

فرات في بداية امتحان، علمت أن خطيبها بلا بيت، وبلا عمل سوى ترديد بعض الأناشيد الدينية في الموالد والمناسبات، يمضي يومه في المسجد، ينام في أحدى الغرف الملحقة بالجامع أو عند أحد الشيوخ، بعد الخطوبة بات يتردد على بيت خطيبته، وجد الترحيب، ووجبات الطعام اللذيذة، والمكان الدافئ، مما أغراه بالمجيء، بعد شهر من الخطوبة استولى على سرير فرات، التي تقاسمت مع أمها السرير، ويوماً بعد يوم صار من أهل البيت، يذهب إلى الجامع منذ الصباح، يعود ظهراً ولا يفارقهم، وجوده الدائم وكسله جعلها تمله، تخلصت من عواطفها الشحيحة اتجاهه، باتت تتشاغل عنه، بدأت تسأل أسئلة على غاية من الخطورة، كيف يتجرأ ويخطبها وهو لا يملك بيتاً ولا عملاً ولا شهادة؟ ندمت على موافقتها وتخليها عن أحلامها، هل هي متخلفة لتردد ما تقوله أمها حول القسمة والنصيب؟ أمها تطمئنها، تحاول إدخال السرور إلى قلبها، حفظت ما تقوله، سيجد عملاً ذات يوم. مرت خمسة شهور وهو يأكل وينام في غرفتها، هل يمكن قبول هذا؟

ردت أمها في محاولة للتخفيف من آلام ابنتها:

- احمدي ربك، خطيبك لا يعرف من الدنيا سوى الجامع وأنت، ماذا تريدين أكثر من ذلك؟

- أنا لا أريد لا أكثر ولا أقل، بل لا أريد شيئاً، آمل أن أحيا كالأخريات، أريد إنساناً يحبني وأحبه، يبيع العالم من أجلي، إن فرض الخطوبة بهذا الشكل إهانة لروح بابا، الذي أعطاني الحرية وعلمني حسن الاختيار، ألم يبق في العالم شباب لأتزوج رامي الشيخ؟!

- الأمر انتهى.

- لا يا ماما مئة قلبة ولا غلبة.

روايات · الصفحة ٩٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٧٧