ذات مساء ناقشت مع زوجك هذا الموضوع، فتحته على مصراعيه، وكلما حاول إغلاقه تفتحينه من جديد لتعرفي رأيه. تهرّبَ طوال السهرة من الإجابة، ولم يكن صريحاً، إلا أنه أدرك ما أردت أن تصلي إليه. في اليوم الثاني أحضر «فيديو» ومجموعة أفلام، اعتقد أن هذا الجهاز العجيب القادر على بث الأفلام ليلاً ونهاراً قادر أن ينسيك ما طالبت به، قادر على قتل الحرية في داخلك، قادر على إسكاتك. لم يفعل هذا الجهاز فعله الرهيب فيك، بقيت حزينة، بل ازداد حزنك، أدركت حدود الحرية عنده. فتاة مثلك دخلت معترك الحياة ومرت بتجارب، لها آراء في الحياة والناس، تخوضين نقاشات وتقنعين الآخر بوجهة نظرك، وأحياناً إذا كان متعصباً تهادنينه، تناقشين نقاطه نقطة نقطة، وإذا لم يقتنع تتركين ذلك لجولات أخرى دون أن تستسلمي لأفكاره. استلمت بعض المهام التنظيمية، عدة خلايا نسوية وغيرهن ممن عرفنك يعتبرنك قدوة، أين القدوة؟ أين المرأة الشجاعة والتنظيم؟ كل هذه الخربشات التي تلف دماغك، لا تخلصك من واقعك، أنت الآن ظل امرأة، أرنبة تخافين من كل ما حولك، هذا واقعك، واقع الإذن للخروج ولو خطوة واحدة خارج البيت، زوجك عند اللزوم يأخذ إجازة من عمله ويلبي رغباتك، تخرجان، تكتشفين أنكما غريبان وأنتما وحيدان، لكل منكما وجهة نظر مختلفة، حتى في المسائل البسيطة. كيف لم تحسبي حساب ذلك؟ تعترفين أن زواجك غير ناجح، وأنك أخطأت الاختيار. غطيت وجهك بكفيك وأجهشت بالبكاء، عضضت شفتك السفلى ندماً، ماذا ينفع الندم بعد احتلال الجولان؟ وماذا ينفع تململك في بيت متدين؟ وماذا ينفعك قتال الجدران؟
قُرع الجرس. ركضتِ إلى المرآة، سويت هندامك ومسحت دموعك، رسمت ابتسامة على شفتيك، انتظرتِ حماتك لتفتح الباب، إنه زوجك كما توقعت، جلست بمواجهته وهو يغير ملابسه، لم تساعديه، استرق النظر وتغزل بك:
- ما بك يا زوجتي الحسناء، لم الغيوم تغطي وجهك؟ ابتسمي لترحل السحب وليصير للحياة طعم المبرومة.
- الله، أنت شاعر يا زوجي، من غير اللائق تجاهل مشاعري، أنا إنسانة لم أتعود البقاء في البيت، أمضيت حياتي في التدريس، فجأة أفقد حريتي، هل تثق بي؟ إن كنت تثق دعني أعود إلى التدريس، وأعدك بالطاعة. دعني أمارس حياتي ولا تسجنّي، وإلا فإنك لن تحلم بضحكتي وخفة روحي، ستجدني دائماً جسداً محنطاً لا حياة فيه ولا روح.
- ما المطلوب الآن؟