دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 27
دخول الرازي لهراة:
لمعرفة قيمة هذا الإمام عند أهل عصره، علينا أن نعلم انه لما دخل هراة تلقاه سلطانه وتحفى له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، ونصب له المنبر بالديوان من المسجد الجامع لعقد مجلس الإملاء، وجعل عن يمينه وشماله صفين من مماليك الترك متكئين على السيوف على صفة رسمية، وحضر الملك نفسه، فأشار له بالجلوس حيث عين له، وكذلك حضر هذا المجلس السلطان محمود بن أخت شهاب الدين القوري، فأشار إليه الشيخ بالجلوس أيضا حيث عين له.
خصبه الفكري واتساع معلوماته:
كان الرازي يدرس كل ما انتهى إليه مما أبرزته الأفكار كيفما كان، ليقف على حقيقته ويتصل بكنهه، وكانت له عناية بدرس علوم الأوائل، بل علمنا انه كان يدرس الكتب القديمة ليحتج على المخالف كيفما كانت عقيدته أو نحلته، وبسبب ذلك إدراك من العلوم ما يمكن البشر إدراكه، كما تحدث بذلك عن نفسه.
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
وإذا فحصنا أسلوبه في المناظرة، ألفيناه غزير المادة متدفق المعاني، يهجم على خصمه فلا يكاد يترك في القوس منزعا ولا في الكاس صبابة، ولاكننا لا ننكر أن استدلالاته قد تكبو أحيانا ولا تأتي بالنتيجة المطلوبة، كما يلوح لنا أن انهماكه في البحث والنظر، وتقلبيه للأفكار على جميع الوجوه، وتحميصه لها من كل النواحي، وتوسعه في حشد الآراء استقراء المذاهب كيفما كانت وجهتها، يلوح لنا أن هذا الاسترسال وهذا النهم الفكري، قد يوقفه أحيانا على شفا الشك والحيرة فيقول:
نهاية أقدام العقول عقال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
وأكثر سعي العالمين ضلال
سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول:
أرواحنا ليس ندري أين مذهبها
كون يرى، وفساد جاء يتبعه
وفي التراب تواري هذه الجثث
الله اعلم ما في خلقه عبث
كما أنا ندرك منه يقينا وفي غير ما موطن، انه يبدي نشاطا وحدة في تقرير شبهة المخالف، ثم إذا انبرى لنقضها فترت حدته وسكنت سورته، وكأنه من اجل هذا رماه الذهبي في الميزان بقوله:
له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة.
ولاكنا إذا سبرنا غوره، أدركنا أنه ما كان يستسلم لمذهب الشك، ذلك المذهب المنبني على أن الوصول على الحقيقة متعذر وان ما عند الناظرين إنما هو آراء لا حقائق، وإنما الذي كان يقع منه انه إذا جاشت نفسه بمعضلة، وأعياه حلها، اعترف بقصور الفكر البشري، واسلم وجهه للذي فطر السموات والأرض، وهذا كما في السؤال الذي وجهه عن حكمة الوسائط في الخلق الالاهي، وعدم الخلق المباشر، فغنه لما لم يهتد للحكمة فيه، رد الأمر إلى الحكيم العليم.
وان فطاحلة المستغربين في البحوث العميقة، كثيرا ما تلقى بهم بحوتهم في مجاهل شاسعة لا يقف الطرف منها على غاية، وكثرا ما تقف في وجوههم سدود لا يستطيعون لها نقبا، فما يسعهم إذ ذاك إلا أن يردوا الأمر لربهم ليستمدوا من حضرته ما فيه سكن لأرواحهم، كما يظهر لنا أن ذلك الشك كثيرا ما كان يستجره إلى الإمعان في النظر الذي يبعه الوصول إلى الحقيقة، شأن كل فكر حر بحاث على الحقائق، فيكون هذا الشك وسيلة لليقين، كما هو تفسير شك (ديكارت) الفيلسوف الشهير. كان يشك ليستيقن، وقد أدرك أبو حامد الغزالي هذه الحقيقة قبل ديكارت بعدة قرون كما يعرف ذلك من رسالة حي بن يقظان الأندلسي لابن الطفيل، وقبله الجاحظ، وأجاد شرحها في كتاب الحيوان.
الأسلوب الذي يراه الرازي في الدعوة:
كان الرازي يرى أن الطريقة المثلى في الدعوة على الحق هي طريق المنطق، ولذا كان يفرغ احتجاجات القرآن في قوالب منطقية، بالتأويل المذكور، إلا انه كان كابي حامد الغزالي، لا يرى ما يراه الاشاعرة من التزام تل الأدلة الكلامية التي قرروها وحتموا السير عليها، فغن بعضها يتبين بطلانه، فيستدل على المطلوب بما