تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 26

لا شك أن هذا التلاقح الفكري ينتج أفكارا وءاراء لم تكن معروفة للعرب وهم بين الشيح والقيصوم، وكذلك كان، فقد ظهر فيه ءاراء مختلفة، ومذاهب متنوعة، ونظريات ونحل، ولا سيما في العلم الالاهي، وكان ذلك موضوع البحث والجدل فيما بينهم، كما أن ذلك الامتزاج راض أذهانهم وحبب غليهم البحث والنظر، ونبههم إلى علوم الأمم التي كملت فيها العلوم، فكان مما اهتموا به علوم اليونان، وهي امة كملت فيها الحكمة في الأحقاب المتطاولة، فدرسوها وحذقوا فيها، وافرغوا جدلهم في أساليب منطقية، وقوالب منظمة. كما كان البحث عند اليونان، وأصبحت الفلسفة لديهم موردا لا ينفذ لهذه الأبحاث، كما تسلحوا بها للمناظرات

وكان المعتزلة أول من استعمل هذا السلاح الجديد للرد على المخالف في الدين، ونشأ فيهم عباقرة مثل الجاحظ والنظام وأبى الهذيل العلاف، وكان لهم بذلك جهاد فكري واسع، كما كان ذلك الأسلوب الجديد منارا للخلاف بين المتكلمين المعتمدين على المنطق والتفكير العقلي، وبين أهل الحديث المعتمدين على خالص النقل، وكان من خلفاء بني العباس من يعضد المتكلمين ومنهم من يظاهر المحدثين كما يقصه التاريخ، وأثر هذا الخلاف واضح في كتاب علماء ذلك العصر، ككتاب الحيوان للجاحظ، وكتاب مختلف الحديث لابن قتيبة، كما أن الحافظ الذهبي في الميزان، كثيرا ما يبني تعديله وتريحه على هذا الأساس، وعلى أرومة هذا المنزع، الأمر الذي يوقعه في التعصب أحيانا كما فعل في ترجمة الأشعري والفخر الرازي الذي تتحدث عنه اليوم.

ولم يقف هذا الصراع عند أصحاب الآراء المذهبية، بل جاوزه إلى حلقة الفقهاء مع اتفاقهم في أصول التشريع. ومنشأ ذلك أن تشدد آبي حنيفة في شروط العمل بالحديث، كثيرا ما يوقعه في ترك العمل بأحاديث ثابتة عند أهله، فيشنعون عليه بأنه قدم رأيه على السنة.

وفي تاريخ بغداد تشنيعات كثيرة على هذا الإمام الأعظم، ومشؤها ما ذكرنا، وهكذا تشعب الخلاف وتمددت أقطاره، وحمى الوطيس واحتدم النضال إلى حد قد يمضي أحيانا على الكيد للمخالف أو تحكيم حد السيف.

وان فتنة القول بخلق القرآن ما كانت إلا ثورة من هذا البركان، وقد امتحن فيها فحول عظام من أئمة الإسلام، كالإمام احمد بن حنبل، واحمد بن نصر الخزاعي، وغيرهما. وقد شغلت شطرا من أيام المأمون واستوعبت أيام المعتصم والواثق، إلى أن ارتفعت في خلافة المتوكل.

وان واقعة التتر ببغداد كانت بتحريض ابن العلقمي الرافضي وزير المعتصم لهولاكو، وتهوين أمر بغداد عليه، وكانت الفتنة ببغداد لا تزال متصلة بين الشافعية وأهل السنة، وبين الحنابلة وسائر المذاهب كما بتاريخ ابن خلدون وغيره.

وهذه الري بلد الرازي كانت ميدان حرب بين ثلاث طوائف: الشافعية، والحنيفية، والشيعة، كما بمعجم البلدان لياقوت.

وبالجملة فقد كانت هذه العصور زيادة على افتراق وحدتها السياسية، متخالفة متشاكسة مملؤة الجو بالشقاق والجدال، جدال بين المسلمين وأهل الملل، جدال بين الطوائف، جدال بين المتكلمين والمحدثين، جدال بين ذوي المذاهب الفقهية.

في هذا الجو نشأ محمد بن عمر الرازي بمدينة الري، ومنه استمد معارفه، فتلقى الفقه على والده خطيب الري وكان من تلامذة محي السنة أبي محمد البغوي، وعلي الكمال السمعاني، كما تلقى الحكمة عن المجد الجيلي بمراغة، وكان المجد من الإعلام في زمانه. ومهر في علوم الأصول والفقه والكلام وعلوم الأوائل.

تنقلات الرازي واتصاله بالسلطان علاء الدين خوارزم شاه.

دخل الرازي خوارزم، وجرت بينه وبين المعتزلة هناك مناظرات فيما يرجع على المذهب والاعتقاد، أفضت إلى خروجه منها، ثم عبر على ما وراء النهر، فجرى له نحو ما جرى له بخوارزم واستقض مضجعه، فانقلب على الري، ثم اتصل بالسلطان (علاء الدين خوارزم شاه محمد تكش) فتحفى له وحظي لديه، وهذا السلطان من أعاظم الملوك قدرا، عقد ابن الأثير في تاريخه، لصفته وسيرته، فصلا مما جاء فيه: انه اتسع ملكه وعظم، وأطاعه العالم بأسره، قال: وكان مكرما للعلماء محبا لهم يكثر مجالستهم ومناظراتهم بين يديه. وفي طبقات الشافعية أن عساكره كانت عدد الحصى، لا يعرف أولها من ءاخرها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢٢