دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 28
هو أقوى، فلا معنى للحجر في الاستدلال، وهي خطوة إصلاحية مهمة في علم الكلام.
ولكن مع هذا أدرك أخيرا أن احتجاج القرآن بنهجه الواضح وأسلوبه البين، هو أقوم قيلا وأهدى سبيلا، فقد قال في وصيته المشهورة:
ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن.
ونحن إذا فكرنا في هذا الموضوع بصفاء فكر وإخلاص وجهة، ندرك جليا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم المعتمدة على براهين القرآن، تناجي الفطرة، وتنصل بالقلب اتصالا مباشرا، لقيامها على التنبيه على آيات الله في الأنفس والآفاق.
أما الجدل المنطقي فلا يكاد يقوى على إدراكه إلا من ارض فكره بالنظر، وليس كل الناس بمناهل لذلك، وإنما كان سلاحا في عصور قد خلت، كان ذلك مقتضى الحال فيها لمقابلة الخصم بالمثل، وقد هلك كثير من تلك الطوائف في الدهر الغابر، فليس اليوم لإحياء تلك الخصومة من داع، على أنه قد أنكره في تلك العصور نفسها كثير من السلف لما فيه من تحويل العقيدة الإسلامية البسيطة السهلة، على عقيدة نظرية معقدة، ويكفي أن نعلم أن البني صلى الله عليه وسلم لما سئلا عن صفة ربه، انزل الله سورة الإخلاص: قل هو الله احد .. السورة.
ولو إننا قمنا بدعوة القرآن، ونبهنا على ما فيه من آيات الله في الأنفس والآفاق، لكان خيرا لنا وأهدى سبيلا، وان أحسن كتاب رايته على هذا الأسلوب هو كتاب (آيات الله في الآفاق= أو (طريق القرآن الكريم في العقائد) للشيخ محمد أحمد العدوي المصري أحسن الله إليه، ولو أن علماءنا قاموا بتنفيذ شبه أخرى تطوح بعدد غير قليل من العقول، وأنقذوا الناس من مخالبها لكان خيرا لهم. ولو أنهم قاموا بنشر مبادئ الإسلام المطابقة لروح كل زمان ومكان، وفروا ما فيه من اليسر والسماحة ورحابة الصدر لكل جديد، لعظمت مثوبتهم عند الله. وقد وقد قررنا في كتابة لنا على حديث «أنا امة أمية» أبتناء الدين على اليسارة والتقريب وما يسهل فهمه على العموم عاما في العقائد والعمليات، وان من أحست ما صنف فيس الدعوة الإسلامية كتاب (الوحي المحمدي) للأستاذ رشيد رضا فعلى الشباب أن يعنى به ويهتم بدراسته.
الرازي وجمعه بين ثقافات ثلاث عربية وفارسية ويونانية:
ثقافته العربية: العربية لغته، كما أن عنصره عربي، وله فيها وفي علومها اليد الباسطة والشاو البعيد، ولو ذهبنا نتحدث عن مباحثه في العربية وعلومها لطال بنا المجال، وحسبنا أن نرجع إلى تفسيره (مفاتيح الغيب) ولا سيما تفسير (الفاتحة) لنعلم مبلغ تمكنه في علوم اللسان، وله تأليف مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على النحاة، وشرح سقط الزند للمعري، ويقال أن له شرح المفضل في النحو للزمخشري.
ثقافته الفارسية: الرازي كان يحسن اللسان الفارسي نثرا وشعرا، وكان يعظ به، ونحن نعلم أن الوعظ بلسان لا يتأتى إلا من حاذق فيه، عارف بأساليب التأثير على أهله. وقد قال في تفسيره في ضرب الأمثال انه أمر معروف عند العرب والعجم، قال: ويدل عليه عند العجم كتاب (دمنة وكليلة) وأمثاله وله مصنفات باللسان الفارسي، وقد استفدنا من هذا، انه ينبغي للعالم أن يعرف من لغات عصره ما يتوقف عليه سير الحياة وحفظ توازن أمته مع الأمم، لا سيما في المستوى العلمي، وقد كان الرازي قائما بنصرة الدين والنضال عن مذاهب أهل السنة، ولا سيما لما كان بهراة.
ثقافته اليونانية: أن (ابن القفطي) في (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) يذكر الرازي في صف الفلاسفة، ويحيله بما صورته: بذ القدماء في الفقه وعلم الأصول والكلام والحكمة، قال: ورد على ابن سينا واستدرك عليه، له تأليف كثيرة في علم الحكمة، كالملخص، والمطالب العالية، وشرح عيون الحكمة، وكتاب الإشارات، وفي الطب، كالجامع الكبير الملكي، وكتاب النبض، وشرح كليات القانون، قال: إلا انه لم يتمه، وفي الهندسة وعلم الأحكام النجومية الخ وقد قال فيه شرف الدين ابن عنين:
غلط امرؤ بابي على قاسه
لو أن رسطا ليس يسمع لفظة
ويحار بطليموس لو لا قاه من
ولو أنهم جمعوا لديه تيقنوا
هيهات قصر عن مداه أبو علي
من لفظة لعرته هزة افكل
برهانه في كل شكل مشكل
أن الفضيلة لم تكن للاول