تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن صورته وهو مسجى مطبق العينين والشفتين وحوله أمي وزوجته قد انكببن عليه ينتحين بصوت عال .. كانت تلح علي منذ عشرة أعوام.

لم أستطع أن أفعل شيئا لسلمى، حتى أن الحقد الذي ترسب في أعماقي أنساني ابتسامتها الدافئة وحنو يدها الصغيرة، وكل ما فعلته سلمى إن تزوجت ضابطا شابا أنجبت منه حتى الآن ثلاث صبية.

ومنذ أسبوع خرج قاتل أخي من السجن، ومنذ أسبوع لم يغمض لي جفنن وراحت صورة أخي تلح علي بشكل عنيف، وكان خياله يقول لي: أنت لم ترض بالحكم يا أخي، أنك انتظرت عشرة أعوام كي تحكم أنت في مقتلي، عشرة أعوام طويلة، أعددت نفسك لكي تحاكمه من جديد، عشرة أعوام عشرة أعوام .. عشرة أعوام ..

كنت أقفز من السرير مذعورا، وأشعل الضوء الكهربائي الذي كان يهتز أمام عيني صارخا: أحكم .. أحكم أنت، لقد انتظرت عشرة أعوام لتحكم بالعدل .. عشرة أعوام.

مر هذا الأسبوع وأنا على هذه الحال، لم أنم، ولم أهدأ، بل إنني نسيت كل شيء إلا أخي والرجل الذي قتله، كان أخي يطالبني في كل لحظة: ماذا أنت فاعل، كيف ستحكم، لقد انتظرت عشرة أعوام لتحكم .. إثأر لأخيك .. إنني ما زلت أنتظر أن لا يذهب دمي هدرا، أقتله يا أخي، اقتله، اقتله.

و ... قررت أن أقتله، أجل يا أخي .. سأقتله إذا ذاك، بدت صورة أخي تبتسم برضى واطمئنان، وها أنا اليوم قد حصلت على مسدس فيه تسع رصاصات لا ثلاث .. أجل .. سأثقب جسده تسعة ثقوب يا أخي ..

انتظرت الليل لرخي بساطه، فقد استدللت على بيت الرجل الذي عاد إلى أهله، إلى زوجته وابنه الذي لم يحرم منه.

خالد، ابن أخي أصبح يتيما، كم كان الحقد يقتات أعصابي عند ما كنت ألمح في عينيه ذل اليتيم لما كانت أمه ترسله ليزورنا بعد أن تزوجت رجلا آخر.

كان يسألني بسذاجة: لم لا تزورنا يا عم، لماذا أنت عمي .. وأصدقائي لهم آباء، أحمد، يأتي أبوه كل يوم ويأخذه من المدرسة .. لماذا ليس لي أب يا عمي لماذا .. ؟

وكنت أقول له: سيأتي يوم وتعرف طفلا آخر لم يجد له أبا، سيمزقون صدره بالرصاص .. كما مزقوا صدر أبيك يا ابن أخي.

كانت كلمات خالد تجرح كبريائي، فقد كانت عيناه تبدوان لي وكأنهما عينا أخي اللتان تشيران لي غدا أو بعد غد، سألمح في عينيه الرضا والاطمئنان: أن طفلا آخر قد أصبح بلا أب.

وأخيرا خرجت من المنزل قاصدا بيت الرجل بعد أن اطمأننت إلى المسدس يطلقاته التسع، وكنت اقتربت خطوة يزداد وجيب قلبي .. والريح ما زالت تعصف، ما تزال منذ عشرة أعوام تعصف.

ولما امتدت يدي اليسرى إلى الباب لتدقه كانت يدي اليمنى قابضة على المسدس بإصرار وعنف وأصبعي على الزناد.

وفتح الباب، وبدا لي طفل أشقر على ضوء مصباح الزقاق باهت النظرات يقارب الثانية عشرة من عمره وهو يتثاءب ببراءة وقال: نعم .. قلت له بصوت غليظ النبرة: أين أبوك؟ قال وقد تبدلت ملامح وجهه: أبي .. إنه نائم .. لقد جاء تعبا جدا هذا اليوم .. فنام باكرا .. قلت له: أيقظه .. وقل له أنني أريده لأمر ضروري.

فهرول الطفل يقرع البلاط بحذائه الخشبي .. كنت ما أزال مضطربا .. عندما عاد الطفل بعد لحظات يتقدم أباه.

وقال لي الرجل بصوت واهن وهو يفرك عينيه: نعم .. ماذا تريد .. ؟ قلت له: لا شيء سوى أنني أحب أن أذكرك من أنا .. فقال بنفس الصوت الضعيف: من تكون؟ قلت له بصوت قاس وشرس: إنني شقيق من ثقبت صدره عشر سنوات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٧٢