تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في تلك اللحظة، قرع بابنا بشدة غريبة، وأسرعت زوجة أخي، ثم أمي وجدتي بعدها بقليل .. ودقائق .. ترامى إلى مسمعي صراخ رهيب.

قفزت من السرير، وفتحت باب الغرفة لأجد المنزل وقد امتلأ برجال الشرطة وبممرضين وبعض الأشخاص الآخرين.

هبطت الدرج مسرعا لأجد النسوة الثلاث قد انكببن على المقعد الطويل في صدر الغرفة الوحيدة التي تتصدر صحن الدار.

أسرعت، فإذا بي أمام جثة مسجاة .. يا الله .. جثة أخي.

تقدمت كمجنون منها، ورحت أهزها صارخا:

أخي .. أخي .. من فعل ذلك .. قل .. أخي ..

وراحت دموعي تنحدر بحرارة وأنا أهز الجسد الصامت وأصبح: يا الله .. أخي مقتول .. أخي مقتول.

ورحت أهذي بأشياء لا أذكرها، لكن تلك الكلمة ما زالت معلقة بإحساسي وأنا أصرح والريح من حولي تقول: أخي مقتول.

أبعدوني عن الجثة، وسرعان ما حضر أقاربي ووالد زوجة أخي وراحوا في نوبة من التفجع والبكاء.

وفي اليوم التالي، علمت بأسباب الوفاة المفجعة.

.. اصطدم أخي برجل آخر يريد منه مبلغا من المال .. وبعد أن شتم كل منهما الآخر، أطلق الرجل على أخي ثلاث رصاصات من مسدس ضخم أراده قتيلا .. وألقي القبض على القاتل الذي استسلم فورا

لم أحتمل أبدا ذلك المنظر المخيف الذي صلب عيني، فكنت أغيب عن الوعي بين الفينة والفينة فلا أذكر ما كان.

وبعد أيام قليلة، وجدت نفسي مسؤولا عن عائلة وأنا بعد في العشرين، ونسيت كل شيء، سوى أنني أريد أن أرى الرجل الذي قتل أخي ..

أما صورة قاعة المحكمة التي حوكم فيها فما زالت ماثلة أمام عيني بوضوح .. القاضي ذو الفودين الأبيضين، والمحامون والنائب العام، والشرطة والشاب القصير الممتلئ القامة وهو يصرخ: محكمة. والرجل القاتل في القفص وهو خائف مضطرب ووجهه الأصفر الباهت يتلفت بذعر يمنة ويسرة، وما أن تلتقي عيناي بعينيه حتى يبدو وجهه مغرقا في رعب هائل، وكنت بالفعل أرمقه بنظرات قاسية كلما التفت نحوي.

وفي الطرف الآخر، كانت تجلس امرأة متشحة بملاءة سوداء وعيناها تسجان بالدموع، بينما كانت تسند إلى كتفها طفلا صغيرا أشقر تقارب سنه سن خالد ابن أخي.

وتبين من خلال المحاكمة: أن أخي قسا على الرجل بشكل مهين، فقد كان الشهود جميعهم إلى جانب الرجل الخائف الذي كان يتمسك بقضبان القفص وعيناه مصلوبتان إلى الشهود الذين أكدوا أن أخي كان شرسا وقاسيا.

وبعد أيام صدر الحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة عشر سنوات.

وصرخت في قاعة المحكمة: هذا ليس عدلا .. يجب أن نبشروا القاتل بالقتل .. إنكم لستم عادلين ولكن شرطيا وضع يده على فمي وأخرجني من القاعة.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ حقدي ينمو في أعماقي، ورحت أحاول أحاول إعادة محاكمته لكن المحامين كانوا يقنعونني بأنني لن أستطيع ذلك .. فالحكم قد صدر بناء على أقوال الشهود الذين أكدوا أن أخي كان مغاليا في القسوة على الرجل.

كنت أعرف أخي جيدا، فلم أصدق هذه الأقوال، لابد أن أحدا قد لقن أولئك الشهود لينطقوا وها هو اليوم قد جاء الآن، ومازالت صورة أخي تلح على ذاكرتي بعنف وضراوة، كان يريدني طبيبا أو محاميا .. وكانت لي جارتي السمراء سلمى وكنت سأطالبها بعشرة أطفال، سبعة صبية وثلاث بنات وكانت ستلبي رغبتي فإنها تحبني حبا عميقا، كان بالإمكان أن تتحقق كل هذه الأحلام لو لم يصوب ذلك المجرم ثلاث رصاصات إلى صدر أخي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٧١