دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 .................... ص 17
التوجيه الديني في التعليم المغربي
بقلم الأستاذ: الحسن السايح
تعود المتكلمون عن التعليم الإسلامي والديني في المغرب، أن يستهلوا هذا الموضوع بمقدمة طويلة عن تاريخ الإسلام في المغرب، وتاريخ هذا النوع من التعليم به، وأنا مع تقديري لمثل هذه المقدمات أرى أنها تشغل المستمع أو القارئ بالتاريخ وتبعده عن الواقع، كما تشحن ذهنه بإيحاءات ربما لا تتناسب وممكنات عصرنا وواقع وطننا.
ولهذا فلست أريد من هذا البحث أن يكون تاريخيا يقدر ما أردت أن يكون وصفا لواقع التعليم الديني في المغرب، وإذا كانت الحاجة تدعو في بعض الأحيان أن يكون هذا الموضوع في حاجة إلى مقدمة لتبرر ضرورة وجود التعليم الديني، وتوضح أن القضية ليست بتقليد وإنما هي استجابة لمتطلب شعبي يرتكز على أصول نفسية عميقة. ولذلك فقد شغل هذا التعليم المهتمين بالمغرب في كل وقت وحين .. اهتموا به في العصور المتأخرة سواء قبل الاستقلال يوم طالب لتقويته الجميع لبت الحمية الوطنية، وتقوية المناعة الذاتية لمقاومة الاستعمار، أو بعد الاستقلال يوم دافع عنه كثير من المؤمنين بالتعليم بحماس منقطع النظير.
والواقع أن عهد الاستقلال عرف احتداما ونقاشا في هذا الموضوع: وهو دليل على أن المهتمين بالتعليم في المغرب أخذوا ينظرون إلى التعليم نظرة جدية لا تعرف العاطفة، وإنهم يريدون أن يعرفوا ضرورة كل شيء عن اقتناع .. لا عن اتباع ..
ولهذا كان من ا ـ للازم أن يتحدث المهتمون بالتعليم الديني عن التطورات التي دخلت لهذا القطاع من التعليم، والأهداف التي يرغبون في تحقيقها، فهم ليسوا بجامدين ولكنهم مؤمنون، ومؤمنون بأصالة التعليم الإسلامي، وهذا بحث متواضع من الأبحاث التي تقدم في هذا الموضوع.
إن التربية عملية ذهنية وجسمية ونفسية تجعل المواطن، قادرا على كسب العيش الشريف في هيئة اجتماعية هادفة إلى الخير والجمال، فهي إذا راجعة لذات الفرد ومصلحته وذات الجماعة ومصلحتها، ولا يمكن الحصول على جماعة متقدمة دون تربية، وكما يقول جيفرسون لا يمكن الحصول علة جماعة متطورة وعلى ديمقراطية دون توفر شعب واع، والتربية المنظمة ضرورية لكل أمة متمدنة، لأنها وسيلة لتنظيم الحياة فيها، ولذلك يجب أن تكون مجسمة ومنفقة مع رغبات الأمة ومناسبة لعصرها ولسائر الأنظمة التربوية العامة في كل البلاد المتمدنة، وقد كان الاستعمار يحاول دائما أن يهون في قيمة التربية والتعليم وأن ينحرف إذا ربي وإذا علم.
ولهذا فإن الاستقلال كان هو الوسيلة الوحيدة للنهوض بالمستوى الثقافي الكامل للأمة المغربية عن طريق تعليمها، فإذا كان الاستعمار يحاول الغض من التعلم والثقافة المحلية ويوجهها توجيها منحرفا لصالحه، ومكونا لخليط من المدارس المختلفة التي أدت إلى تكوين طبقات متصارعة، فإن الاستقلال أعطى فرصة لتفتح التعلم المحلي المساير لمصلحة البلاد ...
ويقطع النظر عن التربية الأولية العائلية التي تسهر عليها الأسرة المؤمنة، فإن توجيه التعلم أصبح اليوم في كل البلاد المتدينة مراكز في وزارة خاصة