(تسمى وزارة التعليم) أو غيرها من الأسماء تسهر على تنمية عقلية الطفل ونفسيته بعد المرحلة الأولى من التربية العائلية، إذ من الضروري أن نترك العناية الأولى بالطفل لعائلته لأن التربية المثالية لا يمكن أن يقوم بها غير الأبوين، ولا تمدنا المساعدة المدرسية إلا بالقدر الأدنى من تربيته الشخصية، ومن المعلوم أن بناء الشخصية يبدأ في ظروف مبكرة قد تصل إلى (الحمل) وتلعب المشاهدة دورها الأسمى في تكوين شخصية الفرد، فالنموذج الأول هو الذي مسيطرا على عقلية الطفل وتكوينه.
فمهمة الأباء في التربية الأولى عظيمة وذات مسؤولية كبرى، وأنا شخصيا أومن أن الأسرة هي المربية، وأن التربية التي تصل إلى الروح عن طريق الأذن والمشاهد أهم وأرسخ من التي تصل عن طريق المعلم والكتاب، لأن (الأولى) تكون مهضومة وطبيعية، و (الثانية) تكون عارضة، والانطباعات التربوية التي يفطر عليها الطفل لا تمحيها أمواج الأيام، وما يحدث بعد تربية العائلة إنما هو التطور في التربية، وذلك لابد من التعليم، لأن مبدأ العائلة في التربية لا يمكن أن يعتمد عليه إلى أبعد حد، لأنها تربي ولا تعلم في الغالب، ولأنها تختلف في بعض العائلات عن بعضها مما يؤدي إلى تكوين طبقات مختلفة التربية، ولأنها لم تعد معتمدا عليها في بعض مناطق أخرى من العالم، لذلك فقد وكل أمر التربية حتى في الجزء الأول من حياة الطفل إلى المؤسسات التعليمية التي بقيت في العالم الديمقراطي تتساند مع التربية العائلية في تكوين الفرد ..
وكان الاستعمار الذي احتل بلادنا من أكبر عوامل تفتت التربية الأسروية والخلق الوطني الذاتي والتشكيك في الفضائل الأخلاقية التي اكتسبها المغاربة على مر القرون.
وفعلا كافح المغاربة الاستعمار السياسي، وهم يكافحون ضد الاستعمار الاقتصادي، غير أن الاستعمار الفكري والخلقي سوف لا نتخلص منه إلا بإعداد جيل جديد، وإذا سوف لا نعتمد على التربية العائلية بقدر ما نعتمد على تربية المدرسة، فما هو التعليم المنشود الذي نتوخاه من المدرسة المغربية، إن الهدف الأسمى الذي كافح من أجله المغاربة هو تحقيق الحرية الاجتماعية التي ينتج عنها حرية التعليم، ومعنى حرية التعليم كما يفهم من المنطق السليم الإجبارية والمساواة بين أفراد الشعب في الأخذ بنصيب منه، وواقعية وملاءمته، لأن الأمة (لتكون أمة) يجب أن يكون جميع أفرادها تلقوا تعليما مشتركا موحدا، ليتعايشوا موحدين لهذا لابد من إجبارية التعليم ليعيش المواطنون في بلادهم أحرارا يعرفون القانون الاجتماعي ويدافعون عن حقوقهم المشروعة، وطبيعي أن الجميع متفق على تحديد حرية التعليم التي ليس معناها حرية المنهاج والبرامج وفتح المدارس بغير خضوع لنظام مشروع، وإنما يعني الحرية بالنسبة للفرد الذي يجب إلا ينقص من حقه كما يجب أن يأخذ بتعليم لا ينزعه من وسطه.
فتجب إجبارية التعليم الابتدائي ثم الثانوي إذا توفرت الإمكانيات، وبالنسبة للمواطن الذي يريد أن يتابع دراسته ويتخصص في أي فرع من فروع المعرفة التي يريدها، كما تجب ملاءمة البرامج لواقع الحياة، إذ نحن نعني بالحرية الاجتماعية الحرية التي يجب أن تحد من الفرقة والاختلاف الشكلي نتيجة الجهل بالمبادئ الأساسية للمعرفة، لذلك لابد من توحيد البرامج والمناهج وتشجيع التعليم الحر إذا لم تستطع الدولة في نطاق الوحدة والانسجام في الأساس الجذري الصحيح المساعد لبلاد فتية على تكوين أطرها وتوحيد تفكير أجيالها الصاعدة ليكون جيلها متحدا في عقله وروحه، قويا في تفكيره وجسمه، ذا قومية وطنية عميقة صادقة، ولذلك لابد من مراعاة عناصر ضرورية في تكوين المغرب الجديد أولها أن ينشأ جيل مسلم متفهم للإسلام، عربي اللسان مغربي القومية، متصل بتاريخه المجيد، وواع لمشاكل عصره وهادف إلى رفع مستواه الاجتماعي والاقتصادي وأداء رسالة إنسانية كبرى وبالأخص في إفريقيا المتوثبة، والعالم الجديد المتعطش للسلام والتقدم. ولذلك لابد من الاعتماد على اللغة العربية والدين الإسلامي لتركيز أصالة المغربية مع السعي إلى توحيد صفوف الأمة عن طريق وحدة التعليم ومجانيته وإجباريته في مرحلته الأولى وفعاليته حتى لا يكون مواطنين نظرين لا يساهمون في بناء البلاد فنيا ومهنيا وتقنيا فنظل عالة على الدول في تكوين الأطر، ولهذا يجب أن يساير تعليمنا المقتضيات الاقتصادية حتى يتكامل معها في تكوين الأطر وسد الثغرات، بل يكون موجها للحياة الاقتصادية وعاملا على رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي للأمة كما يكون تعليما مكونا للمواطن