تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تربط الجرباء حول صحيحة

حذارا على تلك الصحيحة تجرب

قوله، على مسامحة في هذا التعريف. من المعلوم أن ابن الخطيب نابغة في الطب والأدب والفلسفة، فهو يحافظ على ما يضعه من التعريفات والحدود محافظة دقيقة، فلذلك نبه على أن هذا التعريف، إنما هو تقريبي لتسهيل الفهم على القارئ. قوله، فإذا اتفق أن يكون المزاج الشخصي الخ. يعني أن طبيعة الشخص السليم إذا كانت قريبة من طبيعة الوارد السمي، وهو مكروب المرض بعبارة العصر الحاضر، فأن الجسم يقبل مكروب المرض الهاجم عليه من غير مقاومة ولا مدافعة، لعدم وجود التضاد بين قوات المرض المغيرة وقوات الجسم الضعيف المغار عليه.

ثم شبه ابن الخطيب قبول الجسم الضعيف لمكاريب المرض المهاجم بالزئبق مع الذهب إذا قرب الزئبق إلى الذهب انجذب إليه، لأن أصليهما متشابهان. قوله، فيغوص فيه ويتحد به إلخ. يعني أن المرض ينتقل من المريض إلى جسم الصحيح ويتحد معه. قوله، ويسري في الأمشاج الخ. يعني أن القوى السمية على حد تعبير ابن الخطيب، أو الجراثيم المرضية على حد تعبير ابن الخطيب، أو الجراثيم المرضية على حد تعبير هذا العصر، تسري في الأخلاط والرطوبات بسريان الروح، أي الهواء كما تسري السموم في الأجسام فتفسدها.

قوله، وإن اتفق أن يكون بعيدا منه في عرض مزاجه الخ. هذا مثال للجسم السليم الذي لا تزال قواه الدفاعية قادرة على المقاومة مضادة للقوى الهاجمة غير خاضعة لها، فحينئذ تنبري لقوة العدو وتهجم عليها هجوما مضادا دفاعيا كما يدافع الرجال المخلصون عن أوطانهم إذا أغار عليه عدوهم. ولا يفكرون في التسليم أبدا ما بقي فيهم رمق. فعلى قدر ما بين الجيشين المغير والمدافع من التضاد والتباعد، هذا يريد إفناء الجسم وهذا يريد سلامته، يشتد القتال أو يضعف، والنصر بيد الله. قوله، وقد يكون هذا البعد خلقة للمزاج الخ. يعني أن بعض الناس قد رزقهم الله أجساما صحيحة قوية قادرة على مقاومة الأمراض المعدية من تلقاء نفسها، وبعض الأجسام نبست من القوة والمنعة بذلك المكان، فهذه تحتاج إلى الاستعانة بالعلاج بالأدوية والهواء الطيب والماء والشمس، فيعوض عليها ذلك ما فقدته من القوة في خلقتها. قوله، يخرج عن سبيل الاستعداد الخ. لنا في هذا الزمان أمثلة توضح ذلك، وهي معروفة عند الخاص والعام، فمنها، المصول الواقية من السل ووباء الكولرا والجدري وغيرها، فذلك التدبير الآتي من علاج الأطباء يخرج الأجسام الملقحة بالمصل المضاد من الاستعداد لقبول المرض. ومن هذا القبيل، الدواء الذي يشربه من تعتريه نوبات الصرع فلا يصرع ما دام يشرب ذلك الدواء، إلا أن هذا ليس فيه قوات مهاجمة وقوات مدافعة، وإنما هو مرض عصبي غير معد. قوله، وهو جواب من رد العدوى الخ. يعني أن ما تقدم جواب لمن رد العدوى وزعم أنه لا يوجد مرض معد اعتمادا على أن بعض المباشرين للمرضى المصابين بمرض معد، لا يصابون بذلك المرض. ولم يعلم هؤلاء أن الإصابة تكون على حسب الاستعداد، فمن كان كثير الاستعداد أصيب لأدنى مباشرة للمريض. ومن كان متوسط الاستعداد أصيب بعد طول المباشرة، ومن كانت عنده مناعة، وليس عنده شيء من الاستعداد طالت سلامته مع المباشرة، فقد تستمر حتى يفترق مع المريض بموت المريض أو غيره، وقد يصاب بطول الزمان، إلا أن هذا الشخص الذي ليس عنده استعداد لقبول المرض يجب عليه أيضا أن لا يخالط ذوي الأمراض المعدية، لأن الأمر كما يقال، ليس في كل مرة تسلم الجرة. ومن أكل السم مرة فلم يضره لا ينبغي له أن يخاطر بنفسه ويأكله مرة أخرى. ومن صاول الأسد فتمكن من قتله لا ينبغي له أن يصاول الأسد مرة أخرى. ثم ضرب ابن الخطيب مثلا لذلك أجاد فيه كل الإجادة. وذلك أنه شبه المخالطين للمرضى بالطاعون بالقتائل وجعلها على ثلاثة أقسام، قسم قريب العهد بالاشتعال انطفأ منذ لحظة ولا تزال حرارة النار ودخانها في رؤسه، فهذا القسم يشتعل بأدنى ملامسة للنار. وهو مثال لكثير الاستعداد.

والقسم الثاني من القتائل يابس ليس فيه بلل، ولكنه ليس قريب عهد بالاشتعال ولا فيه حرارة ولا دخان، فهذا القسم يبطئ اشتعاله شيئا ما، ولكنه لا يلبث أن يشتعل. وهذا مثال للمخالطين للمرضى الذين عندهم شيء من المقاومة واستعدادهم لقبول المريض قليل.

والقسم الثالث، القتائل المبتلة، فهذا القسم ببطيء في الاشتعال ويستعصي عليه، ولكن بطول المعالجة وأدناه النار منه يسمع له نشيش، وهو صوت الفتيلة المبلولة إذا قربتها من النار، ومع ذلك إذا طال اقترابها من النار يذهب بللها ثم تشتعل بعد حين، وهذا مثال للمخالطين للمرضى العديمي الاستعداد الذين عندهم صحة قوية ومنعة وكثرة مقاومة، إلا أنه لا يؤمن عليهم إذا طالت مخالطتهم للمرضى أن تضعف مقاومة أجسامهم فيصابون. وكم من مريض اعتمد على الأدوية المقاومة المطهرة المبيدة للمكروب فتغلب المكروب على أدويته وسقط صريعا بمرض السل أو غيره.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٠٣