تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمشاج والرطوبات يسريان الروح فيفسدها إفساد السموم، وإن اتفق أن يكون بعيدا منها في عرض مزاجه قاومه مقاومة الضدية ومانعه وتعاصى عليه قبوله. فعلى بعد ما بينهما في عرض المضادة تكون الممانعة والموافقة. وقد يكون هذا البعد خلقة للمزاج أو يحصل بالعلاج، ولذلك ما حرص الأطباء عند تعرفهم بالحدس طبيعة هذا المرض على الميل بالتدبير إلى طرف من مضادته يخرج عن سبيل الاستعداد، وهو جواب دعوى من رد العدوى والانتقال بكون كثير من المباشرين للمرضى سلموا من مضرته مع الملازمة والقرب من العدد الكثير منهم وهلاك آخرين ممن لم يباشروا أو باشروا مباشرة يسيرة، إذ لم يعلم الجمهور أن علة السلامة أو العطب بقدرة الله، إنما هي الاستعداد أو عدمه. وأن الناس في الاقتراب من نار تلك السمية بمنزلة القتل التي تقرب من النار المشتعلة في السراج، وإن ما كان قريب عهد بالإيقاد والحرارة والدخانية أسرع به تعلق النار لحينه.

هذا مثال المستعد الوافر الاستعداد، وما كان جاف غير قريب العهد بالنار قبل الإيقاد بعد انفعال في زمن أطول من الأول، وهو مثال الشارع في الاستعداد: وما كان من القتل بلبلا مشربا مائية اشتعل بعد طول مصابرة ونشيش ومعاصاة، وبعد زمان تجف فيه مائيته، فإما أن يتم اشتعاله بطول الزمان، أو ربما غلب الفاعل لضعفه عنه أو خمد الفاعل قبل مصابرته. وهذا مثال البعيد عن الاستعداد، ومحله من المخاطرة ما علمت. والجهل بهذا المعنى غلط الناس وعدد مصارعهم. ولله در القائل:

ما يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

فإن قبل كيف نسلم دعوى العدوى، وقد ورد الشرع بنفي ذلك؟. قلنا، وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواترة. وهذه مواد البرهان. وغير خفي عمن نظر في هذا الأمر أو أدركه هلاك من يباشر هذا المرض غالبا وسلامة من لا يباشره. كذلك وقوع المرض في الدار والمحلة لثوب أو آنية حتى أن القرط (وهي الحلقة التي تتجلى بها المرأة في أذنها) أتلف من علق بأذنه وأباد البيت بأسره. ووقوعه في المدينة في الدار الواحدة ثم اشتعاله منها في أفذاذ المباشرين ثم جيرانهم وأقاربهم وزوارهم خاصة، حتى يتسع الخرق، وفي مدن السواحل المستصحبة حال السلامة إلى أن يحل بها في البحر من عدوى أخرى قد شاع عنها خبر الوباء رجل سوف، فيكون تاريخ ظهور المرض مقارنا لحلوله، وسلامة الكثير ممن أغبا في التوحش، كالزاهد بن أبي مدين بمدينة سلا، وكان من القائلين بالعدوى. وقد تزود لمدة، وبنى باب منزله على أهله وهم كثيرون. وفنيت المدينة. ولم يرزأ نسمة واحدة لطول تلك المدة وتواترت الأخبار بسلامة أماكن لا تطالها الطرق، وهي منقطعة عن الناس. ولا أعجب لهذا من سجن الأسرى من المسلمين، أنقذهم الله بدار صنعة إشبيلية. وهم ألوف ولم يصبهم الطاعون. وقد كاد يستأصل المدينة. وصح النقل بسلامة أهل العمود والرحالين في الغرب بإفريقية وغيرها، لعدم انحصار الهواء وقلة تمكن الفساد منه. والعناد في هذا الباب وارتكاب اللجاج فيه الحم في الناس سيف الطاعون، وسلط الله عليهم من بعض المفتين من اعترضوا بالفتيا اعتراض الأزارقة من الخوارج للناس بالسيوف، فسألت عن شبا أقلامهم من النفوس والمهج ما لا يعلمه إلا من كتب عليه الفناء بسببه. وإن كان بريء القصد من المضرة وقوفا مع ظاهر لفظ الحديث. ومن الأصول التي تجهل أن الدليل السمعي إذا عارضه الحس والمشاهدة لزم تأويله. والحق في هذا تأويله بما ذهب إليه طائفة ممن أثبت القول بالعدوى. وفي الشرع مؤنسات عديدة، كقوله (يعني النبي (ص) لا يورد ممرض عل مصح. وقول الصاحب (وهو عمر بن الخطاب (رض) (فر من قدر الله إلى قدره. وليس هذا موضع الإطناب في هذا الغرض. والكلام في القول بالعدوى أو بعدمها شرعا ليس من وظائف هذا الفن، إنما جرى مجرى الجمل المعترضة والمثل، وله تحقيق في محله. وبالجملة فالتصام عن مثل هذا الاستدلال زعارة وتصافر على الله (أي جرأة عليه واستخفاف بأرواح خلقه) واسترخاص لنفوس المسلمين، وقد وقف قوم من أهل الورع بالعدوى إلى الناس مستقبلين مشهدين على أنفسهم بالرجوع عن الفتوى بذلك تحرجا من تسويغ الإلقاء باليد إلى التهلكة. عصمنا الله من الخطل، ووفقنا في القول والعمل. انتهى كلام ابن الخطيب. وأظن أن كثيرا من القراء يجد غموضا في بعض كلام ابن الخطيب. ولذلك رأيت من المناسب أن أشرح العبارات التي يعسر فهمها على بعض القراء، فأقول وبالله التوفيق:

قوله، الاستعداد، تهيء شيء لقبول شيء الخ. معناه أن الجسم الضعيف المقاومة المستعد لقبول العدوى ينتقل إليه المرض بمخالطة المريض، ولله در الشاعر إذ يقول:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٠٢