تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله، حتى أن القرط الخ. يعني أن القرط، وهو ما يعلق في شحمة الأذن للزينة من حلقة وغيرها نزع من امرأة ماتت بالطاعون وعلق في أذن امرأة سليمة فماتت هذه أيضا وأعدت أهل بيتها فماتوا جميعا. قوله، إلى أن يحل بها في البحر من عدوى أخرى الخ. يعني أنه كثيرا ما يكون أهل مدينة على شاطئ البحر سالمين من الوباء حتى يحل بتلك المدينة مسافر جاء في سفينة من بلد قد انتشر فيه الوباء، فبعدي ذلك المسافر أهل تلك المدينة وينتشر فيهم الوباء انتشار النار في الهشيم. قوله، ممن أغيا في التوحش كالزاهد بن أبي مدين الخ. معنى أغيا بلغ الغاية في التوحش أي الاستيحاش، وهو البعد من الناس. وقد أفادنا ابن الخطيب بذكر هذه الحكاية فوائد متعددة إحداها صحية، والثانية شرعية، والثالثة تاريخية. فأما الصحية، فهي أن هذا الرجل المغربي الذي كان يسمى الزاهد بن أبي مدين كان من العلماء، وقد اختلف علماء المغاربة في العدوى في ذلك الزمان، وهو أواسط القرن الثامن الهجري حين وقع الطاعون الذي أفنى سبعة أعشار سكان الأرض كما قال ابن الخطيب، وكان الزاهد من العلماء الذين يفتون بالعدوى. وهو من سكان مدينة سلا، مرسى شاطئ البحر المحيط الأطلنطيقي بقرب الرباط. فلما خالفه بعض المفتين وأفتوا الناس بعدم العدوى أحضر من الطعام والمؤونة ما يكفيه مع أهل بيته وكان عددهم كثيرا، لزمان طويل، ثم بنى باب بيته وسد منافذه حتى لا يخالطه أحد من سكان المدينة، وبقي كذلك في سجنه الاختياري حتى أيقن أن الوباء قد ذهب. فلما فتح باب بينه وجد أهل المدينة أفناهم الطاعون. أما هو وأهل بيته فقد سلموا جميعا. وأما الفائدة الشرعية والتاريخية فإدراكهما من الحكاية سهل. قوله، ولا أعجب لهذا من سجن الأسرى الخ. أشار إلى ما جاء في التاريخ أن أربعة آلاف من الأسرى المغاربة كانوا في يد الاسبانيين في إشبيلية بعد ما استردوها من أيدي المسلمين، وكان المغاربة في ذلك الزمان أهل علم بالصناعات، والاسبانيون جهالا لا يعلمون منها شيئا (أنظر كتاب مدينة العرب في الأندلس لجوزف ما كيب وترجمته بالعربية لكاتب هذا المقال)، فاستغل الإسبانيون الأسرى المغاربة وجعلوا سجنهم معملا صناعيا. ولا يزال اسم مصنع الأسلحة باللغة الإسبانية والفرنسية والإنكليزية (أرسنل) وهو تحريف لدار الصنعة. ومثال ذلك في هذا الزمان، أن كوبا أسرت عددا كبيرا من الغزاة الذين تهم الولايات المتحدة حمايتهم فشرطت على الولايات المتحدة أن تدفع فداء لهم ما يساوي ملايين من نقد الدولار من الأدوية والمصنوعات الأمريكية التي تعجز كوبا عن صنعها. أخبر ابن الخطيب، أن الأسرى المسلمين الذين كانوا مسجونين في دار الصنعة بإشبيلية لا يخالطون الناس فلم يصبهم الطاعون، مع أن أكثر سكان إشبيلية ماتوا به. قوله، أهل العمود والرحالين في الغرب فإقريقية الخ. أهل العمود، هم البدو، سكان الخيام، والرحالون أعم منهم، لأن منهم من ببني اخصاصا من القصب في كل مكان يرحل إليه. والمراد بالغرب، المغرب، وإفريقية، هي تونس وما جاورها بشرقي الجزائر. قوله، اعتراض الأزارقة من الخوارج الخ. الأزارقة، فرقة من الخوارج يعتقدون، أن كل من خالف عقيدتهم يجب قتله. شبه ابن الخطيب العلماء الدينيين الذين يفتون بعدم العدوى بالأزارقة الذي يعلمون سيوفهم فبمن يخالفهم. وهؤلاء الفقهاء يفتون الناس بعدم العدوى فلا يتحرزون من الأمراض المعدية فيموتون فصارت فتاوي الفقهاء كسيوف الأزارقة. وأقبح من هؤلاء وأكثر جرما من يشير على الناس بنقل المرضى إلى الأضرحة التي يسمى المقبورون فيها بالأولياء، فيتخذون مدافن الأموات مستشفيات ويطلبون الحياة من الموتى، وكفى بذلك جهلا وكفرا وعمى بصائر. كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. ولقد أخبرني أحد تلامذتي في كلية الآداب ببغداد. ولا يزال حيا يرزق، وهو من أنجب تلامذتي، أخبرني أنه أصيب برمد فأخذه والداه إلى الدكتور الهاشمي، وهو أشهر أطباء العيون في بغداد. فلما فحص عينيه، قال لوالديه يجب أن تأتي به فورا إلى المستشفى وإلا ذهب بصره. قال فرجع بي إلى البيت، فزارنا سيد، والسيد في العراق هو المنتسب إلى آل البيت، فإن كان شيعيا يلبس عمامة سوداء، وإن كان سنيا يلبس عمامة خضراء، وكثير آل البيت في هذا الزمان لا يهتمون بذلك الزي، لكن يتعيشون بالانتساب إلى آل النبي يلتزمونه ويتخذونه حبالة لابتزاز أموال الناس، فيسيئون إلى أنفسهم وإلى آل البيت الذين رفع الله قدرهم عن تلك المهنة الخسية. قال الطالب، فذكر والداي للسيد ما حل بي من الرمد وأنهما يريدان أن يدخلاني مستشفى الدكتور الهاشمي، فقال لهم السيد، لا حاجة إلى ذلك نأخذه إلى مشهد الرضا، وهو ضريح أحد آل البيت من الأضرحة المقصودة. قال فأخذني والداي وصحبهما السيد إلى المشهد المذكور، وشد السيد عيني بخرقة ربط طرفيها في قفاي ربطا محكما، وبقيت كذلك في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٠٤