تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن قدامة في المغني، ج 7 ص 23، فصل {والعزل مكروه) ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال فينزل خارجا من الفرج، رويت كراهته عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق أيضا، لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة. وقد حث النبي (ص) على تعاطي أسباب الولد، فقال: تناكحوا تناسلوا تكاثروا ـ وقال: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. إلا أن يكون لحاجة مثل أن يكون في دار الحرب فتدعو حاجته إلى الوطء فيطأ ويعزل. ذكر الخرفي في هذه الصورة، أو تكون زوجته أمة فيخشى الرق على ولده. أو تكون له أمة فيحتاج إلى وطئها وإلى بيعها. وقد روي عن علي أنه كان يعزل عن إمائه، فإن عزل من غير حاجة كره ولم يحرم، ورويت الرخصة فيه عن علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وهباب بن الأرت وسعيد بن المسبب وطاووس وعطاء والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي.

قوله، ولا يحرم فيه نظر، فإن الكراهة في اصطلاح السلف، هي في الغالب للتحريم وخصوصا إذا كانت مبنية على نهي جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله، وأخص من ذلك إذا كان ذلك النهي مصحوبا بالوعيد، فلا يجوز أبدا أن تحمل كراهة من ذكر من الصحابة على التنزيه. وقال الإمام ابن القيم في زاد المعاد ج 4/ص16/ ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد قال، أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله (ص) فقال، وأنكم لتفعلون، قالها ثلاثا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة ألا وهي كائنة.

هذا الحديث، يعزز أحاديث النهي ويزيدها قوة ووضوحا، لأن قوله صلى الله عليه وسلم، وأنكم لتفعلون ثلاث مرات استفهام إنكاري، والتكرار فيه مبالغة في الإنكار، وما بعده يزيده وضوحا. ثم قال، وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة من حديث عمر ابن الخطاب قال، نهى رسول الله (ص) أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. ثم ذكر مثله من رواية ابن داود عن أبي هريرة عن النبي (ص). قال نفي الدين الهلالي حديث عمر قد تقدم ولم أتم التعليق عليه، والآن أتمه، فأقول: في هذا الحديث تقييد النهي عن العزل عن الحرة، فهو منع مقيد بشرط، فمتى أذنت الحرة جاز العزل، ومتى لم تأذن حرم. ومن نظر في قواعد الإسلام وأصوله فيما جاء عن النبي (ص) وعن أصحابه في هذه المسألة لا يجد بدا من القول بتحريم العزل إلا لسبب. وهذا السبب قد يكون مبيحا للعزل، وقد يكون موجبا له، فإن علم الرجل والمرأة أن الحمل تترتب عليه مفسدة وضرر لأحد الزوجين أو لهما جميعا، أو لأولادهما، وجب عليهما العزل. وإن علمنا أنه لا ضرر في الحمل ألا أن فيه مشقة كبيرة لا يستطيعان تحملها جاز لهما العزل. ويجدر بي هنا أن أذكر بعض الأسباب التي تبيح العزل أو توجيه.

فمما يوجبه، أن يكون الوطء محرما أو شبهة، ففي هذه الحال يجب العزل، لأن الحمل يغلظ الجريمة ويكون سببا في ولادة ابن زنى. ولا يخفى ما في ذلك من الجناية على ذلك المولود والفضيحة لوالديه ولأقاربهما، وقد يقتلانه بعد الولادة أو يقتله أحدهما، فتضاف إلى جريمة الزنى جريمة هي أعظم منها، وهي قتل النفس التي حرم الله. ومن ذلك مرض خطير معد يكون الرجل مصابا به أو المرأة، كداء السل، فمما لاشك فيه أن الغالب مني كان أحدهما مسلولا انتقل المرض إلى الآخر فسبب له الموت الزوءام ثبعد مقاساة أعظم الآلام، فمتى جامع وهو مسلول عالم بالعدوى فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وإن كان جماعه في الشرع حلال لما يترتب على ذلك من الكارثة التي تحل بالشخص الآخر. وإن كان مصابين بمرض واحد معد كالسل والجذام وما أشبههما وجب عليهما العزل عند الجماع لئلا يجرأ شرا على المولود الذي يرث ذلك المرض من والديه. ومن الأمراض ما يوجب العزل، كداء الربو الشديد إذا أصيبت به المرأة فإن الحمل يزيدها ضيقا في التنفس، وأما ولادتها فيكون فيها خطر الاختناق لشدة ضعفها وضعف قلبها ورئتها عن تحمل آلام الطلق. فإن فلت لا تسلم أن كل إنسان يخالط شخصا آخر مسلولا يصاب بالسل، فقد شاهدنا من تزوج بمسلولة وبقي معها مدة طويلة حتى ماتت ولم يصب هو بأذى. فالجواب أن ذلك نادر والنادر لا حكم له. قال ابن الخطيب السلماني في رسالته مقنعة السائل عن المرض الهائل بعد ما وصف المعركة التي تقع بين جراثيم المرض المعدي وبين قوات الدفاع التي أودعها الله جسم الإنسان وغيره من الحيوان، قال ابن الخطيب، إن قبل ما معنى الاستعداد الذي تكرر لفظه في هذا الغرض ووقف عليه كثير من مفهوم العدوى. قلنا، الاستعداد تهيء شيء لقبول شيء بمناسبته ومشاكلته له حتى يلبس صورته على مسامحة في هذا التعريف. فإذا اتفق أن يكون المزاج الشخصي قريبا في عرضه من مزاج الوارد سمي مستعدا لقبوله قبله ومال إليه من غير مدافعة ولا ممانعة كما يثبت الزئبق على الذهب لشبهه بنسخه ومناسبته إياه فيغوص فيه ويتحد به ويسري في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٠١