تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس عليك زكاته، أي طهارته من الشرك إذا عدمت فلا حرج عليك فيها فقد أبلغته وبرئت ذمتك، فدعه وأقبل على الأعمى الذي جاءك راغبا مسترشدا. ولا يمكن أن يفهم من هذه العبارة الجواز أبدا.

الحديث الرابع، عن أبي سعيد قال، قالت اليهود، العزل المؤودة الصغرى، فقال النبي (ص) (كذبت يهود، إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه.

يجب تأويل هذا الحديث جمعا بينه وبين ما يأتي، فأقول وبالله التوفيق: يحمل تكذيب النبي (ص) لليهود على أنه لم يكن يعلم في ذلك الوقت أن العزل وأد خفي، لم أعلمه الله بذلك، أو على أن تكذيبه لهم لزعمهم أن العزل يمنع ما أراده الله وقدره من الولد. ويدل على ذلك قوله: إن الله عز وجل لو أراد أن يخلقه لم يستطع أحد أن يصرفه. فلا حجة فيه على إباحة السعي في منع الحمل بلا سبب مبيح لذلك.

الحديث الخامس، وعن أبي سعيد قال، قال رسول الله (ص) في العزل أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره قراره، فإنما ذلك القدر) من الأحاديث الدالة على المنع من العزل، ولا سيما إذا كان العازل يقصد منع الحمل خوفا من الفقر وعدم القدرة على النفقة، لأن المتكفل بالرزق هو الله تعالى، لا الأب ولا الأم ولا ولاة الأمور. وقوله عليه السلام، أقره قراره، أي دع المني يستقر في قراره الذي جعله الله له، لأن الله هو الخالق الرازق فلا تتدخل فيما لا يعنيك أيها الإنسان واعرف قدرك وعجزك عن رزق نفسك فكيف برزق غيرك؟

الحديث السادس، عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى النبي (ص) فقال، إني أعزل عن امرأتي، فقال له صلى الله عليه وسلم، لم تفعل ذلك، فقال له الرجل، أشفق على ولدها أو على أولادها، فقال رسول الله (ص)، لو كان ضارا ضر فارس والروم)، هذا الحديث أيضا من أحاديث المنع من العزل مع أن الرجل السائل فعل ذلك لسبب وجيه في نظره، وهو الغيل، خاف أن تحمل امرأته وهي ترضع فيضر ذلك ولدها الرضيع. وفي فائدة زائدة، وهي أن النبي (ص) كان يرد الأمور التي لم ينزل عليه فيها وحي إلى أهل العلم بالاختصاص. وفارس والروم في ذلك الزمان كان لهم علم بالطب وأصول حفظ الصحة، ولم يكن مثل ذلك للعرب فتعين رد كل شيء إلى أهل العلم به. ولا ينافي ذلك كمال النبي (ص). يفسر ذلك ما ورد في صحيح مسلم أن النبي (ص) قدم المدينة، فرأى أهلها يلقحون النخل، فقال ما هذا؟ قالوا، شيء نأخذه من ذكور النخل ونجعله في إناتها يصلح عليه التمر، فقال ما أراه ينفع، فتركوا التلقيح، ففسد التمر وصار شيخا، فأخبروا النبي (ص) بذلك فقال. إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لا أكذب على الله، وأنتم أعلم بأمور دنياكم.

الحديث السابع، عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت، حضرت رسول الله (ص) في أناس وهو يقول، لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم شيئا، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله (ص)، ذلك الواد الخفي ـ وإذا المؤودة سئلت.

هذا الحديث هو أقوى أدلة المنع وأصرحها. والوأد أن ندفن الطفلة وهي حية. وكانت العرب في جاهليتها تفعل ذلك كما حكاه الله عنهم في سورة النحل رقم 58/ 56. (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم بدسه في التراب إلا ساء ما يحكمون، أخبر سبحانه أن العرب في جاهليتهم إذا أخبر أحدهم بأن امرأته وضعت أنثى يحزن لذلك ويغنم اغتماما تظهر على وجهه بسببه غمامة سوداء من الكآبة ويبقى متحيرا لا يدري ما يصنع، أيمسك تلك الطفلة ويبقى بسببها كئيبا حزينا مهينا، أم يدفنها في التراب ويستريح من همه وغمه. فما أقبح حكمهم على تلك المولودة البريئة التي هي أحق بالرحمة والعطف والإكرام. وقد شبه النبي (ص) العازل بلا سبب وجيه بدافن الطفلة وهي حية. وما أحسن ما قاله ابن القيم في شرحه لهذا الحديث، وإنما سماه وأدا خفيا في حديث جذامة، لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلق بالقصد فقط، فلذلك وصفه بكونه خفيا

الحديث الثامن، عن عمر بن الخطاب قال: نهى رسول الله (ص)، أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها.

هذا الحديث، دليل قوي على المنع من العزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها، فهو منع مقيد. ونحن في هذا الزمان لا يهمنا أمر الجارية الموطوءة بملك اليمين. أو بالتزوج، لأن الرق لا وجود له في هذا الزمان، وإنما نتكلم في حكم العزل عن الزوجة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٠٠