في أغلب الأحيان بإيراد أمثلة تنحصر في بضع كلمات من العبرية، وأحيانا من العربية، ورتب عليها مثل هذه التعميمات الضخمة. ثم، بافتراض أن مثل ذلك قد جرى إلى حد ما (وما أبعد مثل هذا الواقع عن ضرورات البحث العلمي)، فعلام تشهد كثرة الألفاظ الحسية على الألفاظ المعنوية في لسان ما؟ ربما كان فيه دليل على أن ذلك اللسان احتفظ بصورة التطور أكثر من غيره (وقد أورد هذا الاعتراض على رونان كما صرح بذلك هو نفسه) ونحن نضيف: لماذا نتخذ من نقل الألفاظ عن معانيها الأصلية دليلا على اتصاف الفكر بطابع ثابت، مع أن مجرد النقل يدل على حركة فكرية؟ إن من المعلوم أن الكلمات تتغير معانيها على أنحاء ثلاثة:
1) التخصيص: (وهو نقل المعنى من الجنس إلى النوع: كالصلاة التي اختص لفظها بضرب من الدعاء).
2) التعميم: (أي التوسع في إطلاق الجزء على الكل، نحو «الهجين» وهو في الأصل للعجماوات غير ذات النسب الصريح ثم استعمل لكل خلاسي من البشر).
3) النقل: من مجال إلى مجال بسبب المجاورة (ونلفت النظر إلى أننا هنا نسوي بين المجاورة المادية والذهنية لكي نطوي تحتها ما يعرفها لغوينا بـ «الإشراب» الذي يكون مثلا باستعمال الألفاظ الحسية لمعاني مجردة كقولك «الجزم» ـ وهو القطع المادي ـ تريد به «التوكيد» وكقولك «الاعتماد» ـ وهو أصلا التوكؤ ـ في مقام «الوضع موضع الثقة») وقس على ذلك ضروب الاستعارات والمجازات.
ونحن نظن أن مجرد لجوء العرب إلى إشراب الألفاظ الحسية معاني مجردة دليل على عكس نظرية رونان لأنه يفرض بالضرورة قيام المعاني المجردة في الذهن، وإلا لما حصل الانتقال من الحسي إلى غيره، وإذا كانت اللغات على ما يعتقده رونان في أعقاب هوردمان «الحصيلة المباشرة للشعور البشري» فإن الإشراب يعكس على أفضل وجه تلك الفاعلية الديناميكية الأصيلة في الذهن العربي القائمة على تصور المجرد وربطه بالمحسوس، وذلك للاقتران بين ضربي الانطباعات التي تركها في شعورهم كل من النطاقين (نطاق المجرد ونطاق المحسوس).
ثالثا: إن أكبر ما نأخذه على رونان تعسفه في التعميمات التي تتجاوز حدود المقدمات. والحقيقة أنه اجترأ على تراكيب فضفاضة، فوقع في مثل ما رمي به أولئك الذين يستهويهم وضع النظريات الكبرى بعد نظرهم نظرا غير مستو في كتب اللغة وفي النصوص، ولئن أنحى باللائمة على هؤلاء صارفا إليهم قوله: «إن الغضاضة التي تلحق بالمرء من أن يكون خياليا أكبر من الغضاضة اللاحقة به من التقصير» فغالب الظن أن رونان وقع في العيب الذي أنكره على غيره يوم رمانا مع الساميين جميعا بأننا لا فلسفة لنا أصيلة، ولا خيال خلاق، وأن فكرنا يرضي بالمتناقضات. ونظن أن رونان أدرك ما يمكن أن يوصم به من جراء تعميماته فاعتذر عن ذلك في المقدمة بأن لولاه لبقي التاريخ محصورا في نطاق الواقعات المادية دون إقدام على استخراج مغزى يؤدي إلى مثل هذا التكلف والافتئات، فكم كان أجدر به وهو في منزلته وبسطة عمله، «كراكب الأسد يهابه الناس» أن يكون «لمركبه أهيب» كما يقول كاتبنا العظيم عبد الله بن المقفع!
وبعد، تعالوا أيها السادة ننظر نظرة أخرى في تاريخ فكرنا من الناحية السوسيولوجية. لقد كانت لنا حياة فكرية قبل الإسلام صورها الشعر الجاهلي فهل كان هذا الشعر غير مفصح عن خوالج النفس الدقيقة؟ نعم إنه لم يكن شعر ملاحم طويلة النفس (كالإلياذة)، ولكن ما بالنا لا نقيم وزنا لخيال إلا إذا جاء على طريقة الإغريق؟ والشكل الأسطوري واحد من عديدها، ولئن كانت الوثنية طورا من أطوار التاريخ وجاءت الأسطورة معبرة عن خياله، فإننا لا نطالب شعراء عصرنا الحاضر مثلا أن يظل خيالهم دائرا على الأساطير. هذا هو الشعر الفرنسي في الأزمنة القريبة منا من رونسار إلى سان جون بيرس، أهو منحط في مرتبة خياله لأنه لا يدور على خلق أساطير؟ وهل نتخذ شاهدا من ذلك على ضعف ملكة التخييل عند أكبر من تمثل تراث الإغريق، أعني الأمة الفرنسية؟
ثم لقد كان لنا لسان صلح لأن يكون محملا لدين جليل مع ما انبعث عن هذا الدين من عقيدة، وشرع، وفقه، ونحو، وصرف، وكلام، وجدل، ومنطق، وعلوم عقلية. فكيف استطاع لسان يعتبر رونان أن أجروميته تمثل طفولة الفكر الإنساني أن يقوى على النهوض بكل ذلك؟ بل لقد اتسع لساننا بالذات