تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لاستيعاب حكمة فارس ورياضيات الهند وفلسفة يونان، فبأي لغة يا ترى وصلتنا آثار أفلاطون، وأرسطو، والإسكندر الأفروذيسي، وسقراط، وجالنيوس، واقليدس، وأرخميدس، وذيوفانت، وباليناس، وبطليموس؟ وهل عجز آل بختيشوع وآل الكرخي وبنو موسى بن شاكر وثابت بن قرة والحجاج بن مطر، ويوحنا البطريق وابن ناعمة الحمصي وأبو عثمان الدمشقي ومتى بن يونس القنائي ويحيى بن عدي، والبلاذري أحمد بن يحيى، وإسحق بن يزيد وعلى بن زياد والتميمي والحسن بن سهل وعشرات غيرهم عن أداء المعاني المجردة العويصة بالعربية وبالسريانية وحتى بالعبرية؟ بل كيف فهم عنا تراجمة العصر الوسيط اللاتيني حكمة اليونان الرفيعة التي نقلناها أولا، فحملوها إلى أوروبا عن طريق لساننا ليغنى بها التفكير الغربي؟

ليس هذا كل ما في الأمر، لقد كان لنا فلسفة خاصة يوم لم يكن للفرنجة ولا للقوط ولا للهون ولا للسلت ولا للكرولنجيين ولا للمروفنجيين فلسفة.

أفيكفي في الحط من شأن هذه الفلسفة أن يقال إنها دخيلة علينا؟ أو لم يعترف لنا رونان بأصالة علم الكلام وهو جدل رفيع نبت في جو إسلامي صافي العروبة؟ وهب أن من صنعوا الفلسفة بمعناها الأضيق كانوا من أصل فارسي أو أعجمي، فليت شعري بأي لسان فكروا؟ ولم اختار الفارابي لغة العرب لبيان نظرية العقول والشيخ الرئيس ابن سينا لغة العرب لكتابة الشفاء والنجاة؟ ولم تناول الغزالي «مقاصد الفلاسفة» ثم بين «تهافتهم» بلسان غير الفارسي؟ وكيف صلحت مؤلفات ابن رشد أن تكون كما يقول جلسن مصدرا «له أبعد الأثر وأقواه في الاسكولائية المسيحية» وينبوعا رويت منه فلسفة اللاهوتيين أمثال غيليوم الأفيروني وروجه باكون وحنا بيكام؟.

لم يكن العرب، أمة غالبة دائما حتى نقول إن لسانهم إنما انتشر بقوة السيف. نعم لقد امتد ملكهم ذات يوم من جبال البرانس وأعمدة هرقل إلى الهند والصين، ولقد كانوا على رأس العالم المتمدن في عهود زاهرة كحقبة بغداد في القرن الثامن المسيحي أيام الرشيد والمأمون يوم أشعت مملكة الأغالبة على سردينية وصقلية ونابولي، وكعهد قرطبة في القرن العاشر في ظل الحكم الثاني والحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، ثم في حقبة القاهرة الفاطمية وفي المغرب الإسلامي على عهد المرابطين والموحدين. ولكنهم واجهوا نكبات ومصائب كان من حقها منطقيا أن تمحو لغتهم محوا كأداة حضارية. ومع ذلك لا هولاكو البوذي الذي ذبح أهل بغداد ذبحا وجعل مياه دجلة سوداء من مداد ثقافتنا، ولا الحروب الصليبية التي عاثت في أرضنا قرنين كاملين، ولا الفتح المغولي، ولا الغزو الطوراني، ولا غلبة الأعاجم علينا من كل ملة ونحلة، ولا الاستعمار الغربي نالت من عنفوان العربية، لماذا؟ لأن هذه اللغة أثبتت حيويتها أمام الكوارث لأنها، وقد ألقحتها الثقافات الفارسية واليونانية والبيزنطية والهندية، عرفت كيف تستصفي عصارة تلك الثقافات فيتمثلها نسغها العربي الأصيل. إن سر حياتها القوية العنيفة قائم في مرونتها وقابليتها للتكيف، وهذه هي النهضة العربية اليوم تأتي شاهدا مصدقا لما نقول، ففي أقل من قرن من الزمان استطاع أهل هذه اللغة أن يتناول لسانهم ما شئت من علم وفن وفلسفة وتكنيك، وكثير من جامعات العالم العربي ومن مراكز البحوث تتولى معالجة العلوم الإيجابية المضبوطة بفكر أداته هذه اللغة المضرية لغة معد وعدنان.

أيها السادة، إذا بدت هكذا مقاتل نظرية رونان، فما أحرانا أن نردد مع صديقنا لويس غاردية أن الخميرة العربية العاملة في جوف كل الشعوب التي استهواها الإسلام إنما هي (والتعابير هاهنا للمستشرق المرحوم ماسينيون) هذا اللسان الرائع ذو الأزمنة «الثيوسانطرية» أي المركزة حول الذات الإلهية، هذا الضبط في الصورة تتلبس بها (مادة) موارة مضطربة مرجحنة، هذا المزاج الرقراق من مجردات (عريت عن كل زيادة) وإفادات اتصفت بتمام الجدوى، هذا القرآن المدهش بين آثار عليها مسحة الخشونة وبينات تتميز برونق منقطع النظير.

إن أمجد مظهر لعبقرية العرب لسانهم العظيم وإن أبا الريحان البيروني ـ نضر الله جنة خلده بالروح والريحان ـ كان على حق يوم أن قال: لأن أهجا بالعربية خير من أن أمدح بالفارسية؟.

الرباط: الدكتور حكمة هاشم

استاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٨