تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للمسامحة ـ وهو ما اقتضى تصور طلاء يمحو الذنوب ـ، و «فرض» لتقرير أمر من الأمور ـ وهو ما يلحظ فيه»، وحز «قطع» قطعا ماديا، وينتهي بعد ذلك إلى تقرير أن «ما يميز أسرة اللغات السامية هو أنها لا تزال تحتفظ احتفاظا دائما بالاتحاد المبدئي بين الإحساس والفكرة .. وبالاختصار لم تتم في تلك اللغات عملية التجريد المثالي Idéalisation على نحو كامل، الأمر الذي تشتم منه كما يرى رائحة (طفولة التفكير البشري).

وكتاب رونان مشحون بالأحكام العامة التي هي من هذا القبيل، فهو يؤكد مثلا أن اللغات الآرية لغات «تركيبية»، في حين أن السامية «تحليلية» وأن العربية على رغم غناها من حيث المادة وأن فيها على ما أحصاه دوهامر خمسة آلاف وسبعمائة وأربعة وأربعين اسما للجمل، لا تقاس في جانب اللغات الهندية الأوروبية من حيث الضبط والدقة، وأن أساليب البيان العربي على سعة جوانبها تتصف بالجفوة الرتيبة وبالتنطع، وأن المرء إذ يتأمل كتاب العرب في مادتهم وطريقتهم من الهند وخراسان إلى اسبانيا ومراكش ليداخله الشعور أنه أمام ثقافة متجانسة «صنعية وعليمة» (ولكن بالمعنى الرديء).

هكذا تجدون، أن الأمر آل برونان إلى إيصاد باب التفكير الفلسفي في وجه أهل هذه اللغة، لا من جهة أن هذا التفكير غير مستساغ بالنسبة لأذهان طائفة منهم ولا من جهة أنه لم يتهيأ لهم في عهد من العهود لأسباب خارجة من إرادتهم بفعل العقائد الدينية مثلا أو السلطة الزمنية، بل من تلقاء علة أزلية سرمدية ضربت علينا في أصل ذكائنا وما ركب عليه عقلنا من فطرة ترتبت عليها طريقتنا في رؤية الأمور، وهذه العلة لا يرجى منها شفاء (كالخطيئة الأصلية لزمنا وزرها إلى يوم القيامة مع جميع الساميين)!

ونحن لا ندعي أننا أوتينا المعرفة العميقة التي تميز بها هذا المستشرق النحرير ولا سعة إحاطته: فقد كان علامة فهامة من الطراز الأول، استوعب فنون الاشتقاق في عصره، وأبعد النظر في دراسات الفيلولوجيا المقارنة التي باشرها فطاحل الألمان أمثال إيوالد، ولاسين، وشايغل وغيرهم، ووقف على لغات مختلفة شرقية وغربية وقوفا واعيا بصيرا، ولكننا مع ذلك نأذن لأنفسنا أن نبدي بعض التساؤلات والاعتراضات بصدد مقالاته لا سيما وأن الرجل ـ إلى جانب إلحاده الذي لا يعنينا نحن أن ننكره عليه ـ متهم بعرق من العصبية الشعوبية على كل ما هو غير أوروبي، فلعله تحت تأثير منطق عواطفه الخاص، انزلق إلى نظريات تتجاوز حد الحيطة العلمية، وقد يكشف «التحليل النفسي» ذات يوم عن بواعثها الدفينة.

وأول ما نريد بيانه هو وهن الموضوعة الأساسية التي اعتمدها رونان في دراسة البسيكولوجيا السامية. لا شك أن من عناصر هذه البسيكولوجيا دراسة الظاهرات اللغوية، على اعتبار أن اللغة تكشف عن خصائص العقول، وهذا صحيح بشرط واحد هو ألا نربط الخصائص بالتكوين البيولوجي الحيوي وألا نجعلها ناشئة عن صورة ذهنية فطرية لصقت بها كالطين اللازب، بل أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية كالسكنى وطراز العيش وتمازج الثقافات والشعوب. يقول فاندرييس: «كما أنه من التحكم أن نستنبط اللغة من الذهن، فكذلك من الاعتباط أيضا أن نستخرج العقلية من اللسان، إن كلا الأمرين من فعل الظروف، إنهما من الوقائع الحضارية»، والحال أن رونان ربط تلك الخصائص التي اكتشفها بالتكوين الغريزي عند الساميين، فإذا لم يجد عندهم ملاحم فذلك عن أنهم سذج لا خيال لهم، وبديهي أن ما فعل صادر عن نزعة عرقية باطلة لم تعد ترضي العلم الحديث في قليل ولا كثير.

ثانيا: إن طريقته الاستقرائية غير مستوفاة، فالمعلوم أن الاستقراءات التي تصلح لأن تستخرج منها القوانين العلمية إنما هي الاستقراءات الكاملة لا الناقصة لأن مأتى السفسطة الأول من التعداد الناقص، فلنعرض على محك النظر دعواه في أن «اللغات السامية لغات الواقعية والحس بالقياس إلى اللغات الآرية التي هي لغات التجريد والميتافيزياء».

لقد بنيت هذه الدعوى على الزعم بأننا لو استعرضنا سلسلة الجذور السامية لصعب علينا أن نجد فيها ما يخلو من الابتداء بمعنى مادي، ولكن هذا يستدعي قبل كل شيء أن تتوفر «مونوغرافيات» مفصلة أتم تفصيل للعبرية، والكنعانية، والفينيقية، والسريانية، والأشورية، والبابيلية، والنبطية والعربية فضلا عن جميع اللغات الأخرى السامي منها والآري، وأن تصاحب هذه الدراسات المفردة إحصاءات مضبوطة للألفاظ الحسية والألفاظ المجردة في كل لغة مع نسبتها المئوية، فماذا فعل رونان هنا؟ إنه اكتفى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٦