دعوة الحق، س.6، ع1 /أكتوبر 1962 .................... ص 5
ابن يوسف والكتبيين
للأستاذ: الرحالي الفاروقي
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على عباده المرسلين، وعباده المخلصين وبعد:
فالمساجد كانت ومازالت شعارا من شعائر الإسلام، ومعلما من معالم الدين، وهي أول ما يفكر فيه المسلمون الجادون المسبحون، كما اتضح ذلك في عمل الرسول العظيم، حيث لم يشغله شيء بعد الهجرة عن النظر في إقامة مسجد يأوي إليه المسلمون لعبادة ربهم، ويتعلمون فيه الإيمان بمجتمعهم، ثم يتصافون في حياتهم، كما يتصافون في صلاتهم.
وقد كانت وضعية المسجد في الإسلام وضعية سامية، تتلاقى مع الأهداف وتتجاوب مع المشاعر، فهو راحة الساجدين، ومثابة المؤمنين، وملجأ المستضعفين، ومجلس المشاورة، القائم مقام المدرسة، يهذب ويؤلف، ويعرف ويثقف، والمركز الدائم للترغيب والتنفير والتوجيه، على لسان الخلفاء والخطباء، الذين تتميز بمعانيهم المنابر، وتتوضح ببيانهم الخواطر، ومن ثم كان مستباحا ولا حجر ولا حظر، ومستأمنا لا إثم ولا غدر، أذن الله لعباده المؤمنين أن يتوجهوا إليه بالسكينة والوقار، ويرفعوه بذكر الليل والنهار.
وإنما يقرب بيوت الله المؤمنون والموحدون ـ و} إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ {[التوبة: 18].
وعمارة المسجد تكون ببنائه وإصلاحه، وتنقيته وإنارته، وإقامة الصلاة واعتكاف أي جهة من جهاته، وحمايته من الزيغ والعناد، وصيانته من الضلال والفساد، حتى يكون بيتا خالصا لله، لا يدعى فيه سواه البتة.
والإسلام يأمر الناس بإقامة المساجد، وأداء الجماعات والجمعات، وبتعليم كتاب الله الذي هو أصل الإيمان والهداية، وطريق العزة والاستقامة، وأساس المعرفة والثقافة، وقوام المزايا والخصائص الإنسانية، كما كان الشأن في عهد آبائنا الأقدمين، وأسلافنا الصالحين الذين ساسوا أنفسهم بسياسته، وحكموا الدنيا بشريعته، ولا بد لأبنائهم وأحفادهم أن يقتفوا أثرهم، ويربطوا تاريخهم، حتى تقوم الحضارة على أصل أصيل، وإلا فالحياة أنف لا سابق لها من تراث فضل، وتاريخ مجد، وإن كانت فهي حياة مدخولة لا ترفع ذكرا، ولا تقدم شبرا (ذلك)
وأفضل المساجد على الإطلاق، مسجد مكة المكرمة ـ ومسجد المدينة المنورة، ـ ومسجد البلدة المباركةـ فقد اختصها الله بمضاعفة الأجر والثواب في المجاورة والعبادة والهجرة، فأما البيت الحرام فقد رفعه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وأما مسجد بيت المقدس فقد بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، وأما مسجد المدينة فأسسه محمد بن عبد الله r، وأصحابه من المهاجرين والأنصار، بعد الهجرة، خدم فيه r بنفسه ونقل الحجارة إليه كما نقلها عند بناء قريش للبيت الحرام بيده الكريمة، وكأنه الأصل في وضع الملوك والرؤساء حجر الأساس لبناء المساجد، والمساكن، والمعامل، ودور التجارة الكبرى ـ وكأنه دعوة بالعمل إلى العمل في سبيل الله، وفي سبيل