الصالح العام، لما فيه من الشرف والرفعة والتقدم والنهضة ـ وأشرف العمل ما كان مرتبطا بدعائم الدين، وخادما لمصالحه، ونعم ذلك العمل، ونعم أجر القائمين به.
وهنا نسجل ما لمؤسسات الأوقاف في عالم الإسلام عموما، وفي عالمنا خصوصا من أثر كبير في حياة المساجد، والسهر على إحيائها، والعناية بإنشائها، مما جعل الألسنة المؤمنة رطبة بالثناء على جلالة الملك محمد الخامس المرحوم الذي كان يوحي دائما إلى المصالح، التي يرجع إليها أمر المساجد أن تقدر قدرها، وتعرف حقها بالإخلاص في خدمة شؤونها، ورعاية القائمين بأمرها، حتى يتسنى للعمار والزوار أن يشهدوا علمهم البار، ويعبروا عن الغاية التي يرمي إليها رفع المساجد من وجود الصلة الدائمة بين العبد وربه، وبين الإنسان وأخيه، فتكون الحياة سامية، والقلوب واعية، والجماعة وافية، والأمل في هذا الوضع معقود على الخلف البار جلالة الملك الحسن الثاني، الذي تعهد وأكد أن يحذو سياسة والده المنعم. ولقد كان الناس في كل زمان يهرعون إلى المساجد بقلوبهم، وينفقون عليها من أموالهم، ويعتقدون أن الخير كله أن يوفق المرء إلى رصد ملك من أملاكه في سبيل مسجد من مساجد المسلمين آملين أن يندرجوا في سلك الذين أثنى الله عليهم بالإيمان والخشية، ومن عليهم بالهداية والاهتداء.
هذا كله كلام شامل، يأتي بعده كلام خاص بمسجد ابن يوسف، ومسجد الكتبية بمدينة مراكش تلك المدينة التاريخية، التي كتب لها الفضل في مصاحف الأعصار على مفاخر الأمصار.
مسجد ابن يوسف
هو ذلك المعهد الكبير الذي عاش ما يقارب تسعة قرون، منذ أن أقامه أبو الحسن علي بن يوسف اللمتوني في دولة المرابطين التي أشادت معالم الحضارة وأثارت مآثر الثقافة، ورفعت قواعد العقيدة، وأصول الملة المحمدية، فكان منبرا للدعوة، ومنهلا للمعرفة، ومنتدى للثقافة، ومركزا لإثبات دعائم الدولة، وبات من زينة الدراسة في العصر الماضي أن تكون بالمساجد الدينية حيث تتوثق الصلة بين الحياة والعقيدة وتتأكد الرابطة بين الروح والمادة، كما هو اتجاه الإسلام الحميد، ومذهبه السليم.
ولما انتهى الإمام المرابطي من تشييده سنة 514 ـ التفت إليه بالحظ الأوفى من عنايته، ووفر له من وفره وعطائه، وجلب أهل العلم والفضل لساحته، وجمع رجال الفكر والأدب بجانبه، فوطئته أقدام الأندلس، وحلت به ركائبه الأولى، وتدفق فيه علمه وأدبه، فتحول سريعا إلى حياة الإيجاب والإنتاج، وراجت سوقه رواجا عظيما، وتقدمت تقدما باهرا، أخذت به مراكش طابعها العلمي والأدبي بين كبريات العواصم العلمية البارزة، وساعد على نفاق سوقها، وسمو مجدها أن كانت قاعدة البلاد الكبرى، وعاصمتها الأولى، لأغلب دول المغرب، فأسرع إليها من كل طرف رؤوس البلاغة والفصاحة، وقطع المساوف من أجل بلاطها ذوو الحيثيات والهيئات.
بذلك فاز معهدها العظيم، وأصبح تاجا في مفرق المعاهد. ومهبطا لوحي الأفكار، وملتقى للظرفاء والأخبار، تنبعث منه أنوار الهداية والعرفان إلى سائر جهات المغرب، وإلى الأقطار المجاورة له ..
ومن ذلك العهد وهو يكافح ضد الضلال والفساد، وينافح عن تراث الإسلام النفيس واللسان العربي المبين، واستطاع بجهاده الصادق أن يقطع المراحل البعيدة، ويجابه الأحداث الخطيرة، ويرفع صوت الحقيقة والشريعة، كما شهدت بذلك أقلام المؤرخين، واعترفت به ألسنة الباحثين، والتاريخ خير مرجع وأقوى شاهد، وفيه الموعظة والعبرة لمن آمن واتقى، وكم كان تاريخ الجامعات الإسلامية حافلا بالنشاط في تدعيم الوطنية العربية، وتثقيف العقول البشرية وتأدية الرسالة الكاملة التي تتجلى في حفظ اللغة، وصون العقيدة، ونشر التاريخ، وأطوار الحضارة، وذلك من المقومات التي ينبني عليها وجود سائر الأمم الواعية، ـ ومن الحق أن نشير إلى بعض من تخرج من هذا المعهد قديما وحديثا وإلى عناصر العلوم التي كانت تروج منذ أن برز هذا المعهد إلى الوجود، وتوحد عرش المغرب والأندلس.
فمن العلوم ـ التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والأصول، والبيان، والأدب، والتوحيد، والتصوف، والطب، والحساب.
وتخرج قديما من هذه الجامعة ما يعلمه الله من نوابغ العلماء، وأفذاذ الأدباء، وعباقرة الحكماء، ممن يشار إليهم بالبنان، ولا يقعقع لهم بالشنان.