تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بضوله إلى السفن المارة ببحر الزقاق، وأظن أن هذه متعة لا توجد في أي مسجد من مساجد الأرض.

ولعل الكلام على مسجد طنجة الأعظم بوصف حياته المادية لا يغني عن الكلام على حياته المعنوية والحق أن حياته هذه مستمدة من حياته تلك، فكلما كان المسجد مغريا بطبيعته على طول المكث فيه، كلما كان ذلك ادعى للانقطاع للعبادة والاعتكاف وانتظار الصلاة بعد الصلاة الذي هو مما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات كما جاء في الحديث.

وأعرف أناسا رحمهم الله كانوا منقطعين فيه، كلما دخلت إليه وجدتهم هناك، وفي أيام طلبنا كنا لا نكاد نخرج منه طول النهار متنقلين من درس إلى درس، وكانوا دائما إما معنا ينصتون للدرس إذا كان درسا فقهيا أو حديثيا وإما قائمين ينتقلون إذا كنا ندرس علما من علما من علوم العربية أو العقلية.

ومرت على المسجد الأعظم فترة كانت الدروس لا تنقطع فيه، وفي أيام طلبنا كانت تعتقد فيه أكثر من عشر حلقات يومية للفقه والنحو والبلاغة والحديث والكلام والمنطق والأصول، وكان لوالدنا رحمه الله دائما فيه فقط حلقتان يوميتان ولغيره من مشايخنا ابن العباس أحمد السميحي والسيد عبد السلام غازي وغيرهما حلقات أيضا فضلا عما لهم في غيره وكان يمتاز في بعض شهور العام بحلقة للسفلي المشهور أبي محمد عبد الله بن ادريس السنوسي الذي كان من أول دعاة السلفية بالمغرب عقيدة وفقها، وهذا كله قبل تأسيس المعهد الديني لما بعده فقد كانت تعقد فيه عشرات الحلقات يوميا إلى أن نقل لمقره الذي يوجد به الآن أما الخطباء فيه فكثير، ومن أشهرهم القاضي أبو البقاء خالد العمري وكان أديبا شاعرا من فضلاء أهل طنجة، وله خطبة في كتاب النبوغ المغربي، ومنهم ممن أدركناهم أبو محمد عبد الله المكناسي الخياري له ترجمة في تاريخ مكناس لابن زيدان.

وفي أيام الأزمة السياسية التي كانت قائمة بين الوطنية المغربية وفرنسا أقيمت فيه عدة مهرجانات خطابية وكان من جملة الذين خطبوا فيه حينذاك الأستاذ سعيد رمضان والسيد أنعام الله خان سكرتير المؤتمر الإسلامي العام، وهو باكستاني خطب بالإنجليزية، وقبل ذلك في عام 1947 خطب فيه جلالة الملك محمد الخامس قدس الله روحه خطاب الجمعة، وكانت مفاجأة عظيمة للأوساط الدينية تعادل مفاجأته للأوساط السايسية بخطابه المشهور في زيارته تلك لطنجة، وفي بروز لصلاة الجمعة وخطابه هذا وإمامته بالناس قلت من قصيدة عرشية:

وما أنس م الأيام لا أنس جمعة

قضت لك في الأملاك أنك مفرد

خرجت إلى فرض الصلاة بموكب

تحف به العلياء ايان يقصد

وتخشع أبصار الخلائق دونه

ويغمرهم منه سناء وسؤدد

إلى أتيت المسجد الأعظم الذي

على علوي المجد ما زال يشهد

وأسمعناها خطبة عمرية

على حر معناها الخناصر تعقد

أشدت بما جاءت به الرسل من هدي

وما نصحوا أقوامهم وتعهدوا

وأنكرت أقوال الدجاجلة الألى

على دعوة الدين الحنيف تمردوا

ولم قال في نصح الرعية كالذي

عن الخلفاء الراشدين يردد

ويا ما أجل القصد حين دعوته

تعالى، يجير المسلمين وينجد

ويسعد بالنصر المبين ملوكهم

ويمنحهم توفيقه ويسدد

ولما رأى المحراب يدرك طالعا

غدا هالة من حوله تتوقد

وكانت صلاة حين كانت إمامة

وكم من صلاة بالإمامة تفسد

وبعد فهذه كلمة مختصرة عن المسجد الأعظم بطنجة فيها تقويم له من الناحية المعمارية والدينية والعلمية لا تبلغ أن تكون تاريخا ولا تقصر عن أن تكون وصفا كاشفا له، وذلك غاية ما يدرك من الاستعجال وقلة المراجع في الموضوع والله الموفق.

طنجة: عبد الله كنون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٥٢