تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«على أن جريشام لم يكن أول من فطن إلى القانون المذكور فقد سبقه إلى ذلك ارستوفان في القرن الخامس قبل الميلاد كما صاغ اوريزم القانون صياغة دقيقة في كتاب له عن النقود سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف للميلاد».

ومن يدري لعل المقريزي وقف على هذه النظرية خلال مطالعاته ودراساته فطبقها على أزمة النقد في بلاده، ولعله كذلك وصل إليها بتفكيره العلمي العميق.

وفي مقدمة الكتاب أوضح المقريزي طريقته في معالجة الموضوع بعد ان صرح بان ما نزل بالناس من محن وأزمات يرجع إلى سوء تدبير الزعماء والحكام وبين في فصل صغير يليها كيف أن الإنسان يستخف الحوادث السابقة ويستسهلها مهما كانت صعبة على الذين عاشوها، لمجرد انه لم يشاهدها، ولان ملالة الحالة الحاضرة تزين له في وهمه حالة الماضي وبالتالي فان المحن التي نزلت في أيام المؤلف كانت مسبوقة بأزمات اشد وأصعب.

وتحت عنوان «فصل في إيراد ما حل بمصر من الغلوات وحكايات يسيرة من أنباء تلك السنوات» ذكر ما حل بمصر بأزمات الغلاء منذ قديم الزمان، فنقل عن إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب «أخبار مصر قبل الإسلام» أن أول محنة نزلت بمصر كانت في زمن الملك السابع عشر منم ملوك مصر قبل الطوفان واسمه افروس بن مناوش، بسبب انقطاع الأمطار وقصر ماء النيل فهلك الناس، ثم وقع بعدها وقبل الطوفان كذلك غلاء في زمن الملك التاسع عشر المسمى فرعان بسبب الظلم والجور، أما بعد الطوفان وفي أيام تريب بن مصريم الملك الثالث عشر فقد توقف جريان ماء النيل مدة طويلة فهلك الناس ومشى الملك وقد أضعفه الجوع فكتب إلى هود عليه السلام يلتمس منه الدعاء فتوسل النبي إلى ربه فاستجاب وأجرى النيل، ثم كانت الأزمة التي دبر أمر البلاد فيها يوسف عليه السلام، وكانت زمن ثالث ملوك الفراعنة تبعها غلاء هو الذي يقول فيه تعالى: «ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون» والذي يقول فيه كذلك: «ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات لعلهم يذكرون». ثم انتقل بعد ذلك لما تعرضت له مصر بعد الإسلام من محن الغلاء، فذكر انه سنة سبع وثمانين حدثت أول أزمة وأمير مصر يومئذ عبد الله بن عبد الملك بن مروان فتشاءم الناس، ثم تلتها أخرى أيام أبي القاسم أو نوجور الإخشيدي فشارت الرعية، وقصر ماء النيل بعد ذلك فتظاهر الناس وكسروا منبر الجامع، وتوالت المحن أيام علي وكافور الاخشدي، منذ سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة بسبب قصر ماء النيل فكثر النهب وانتشرت الفتنة وعم الاضطراب واشتد الوباء وفشت الأمراض وكثر الموت حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم فكان منهلك يطرح في النيل، واستمرت الأزمات تسع سنين لتنتهي بمسير القرامطة إلى مصر ودخول جوهر الصقلي قائد جيوش الإمام المعز لدين الله واتخذت الإجراءات فانحل السعر وأخصبت الأرض عاد الرخاء، وكثرت المجاعات في أيام الحاكم بأمر الله بسبب هبوط النيل فانتشرت المسغبة وهلك الناس وفي أيام المستنصر كذلك أحسن القائمون تدبيرها فحلت كلها وعاد الرخاء، ووقع غلاء مرة في عهده بسبب ضعف السلطة واختلال أحوال المملكة واستيلاء الأمراء على الدولة فتعطلت الأراضي، وانتشر الخوف وعم الوباء واكل الناس القطط والكلاب بل تزايد الحال فأكل الناس بعضهم بعضا «وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها وعهم سلب وحبال فيا كلاليب فإذا مر بهم احد القوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه واكلوه» وباع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وسلاح وغيره وصار يجلس على حصير» و «جاء الوزير يوما على بغلته فأكلها العامة فشنق طائفة منهم فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم» ثم أعقبتها أزمات أيام الحافظ لدين الله وفي عهد الفائز وفي سلطة العادل أبي بكر الأيوبي سنة ست وتسعين وخمسمائة بسبب توقف النيل عن الزيادة «فأكل الناس صغار بني آدم من الجوع فكان الأب يأكل ابنه مشويا ومطبوخا والمرأة تأكل ولدها» وكان يدخل الرجل دار جاره «فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ فإذا هي لحم طفل» لدرجة لما «أغاث الله الخلق بالنيل لم يوجد احد يحرث أو يزرع»، وقصر النيل أيام السلطان العادل كتبغا التركي وهبت ريح مهلكة فجمع الفقراء والمحتاجين وفرقهم على الأمراء لإطعامهم، كما حدثت مجاعة أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، وفي أيام الاشرف شعبان سنة ست سبعين وسبعمائة وقع آخر غلاء وقد أدركه المؤلف، ولاحظ الناشران انه قبل هذه المحنة الأخيرة نزل وباء شنيع سنة تسع وأربعين وسبعمائة دام سنتين عمت آثاره أمم الشرق والغرب، وهو لمعروف في تاريخ الشرق باسم الفناء الكبير وفي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٤٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٤٢٥