التاريخ الأوربي باسم الموت الأسود، وكان سبب انتشار بعض الأمراض الوبائية، ولعل المقريزي لم يشر إليه لأنه قصر كتابه على أخبار المحن الناجمة عن الغلاء وسوء الحكم في مصر.
وانتقل المقريزي بعد هذا الغرض الذي استغرق منه ما يقرب من نصف صفحات الكتاب ليتحدث في فصل خاص عن أسباب هذه المحن التي تعرضت لها البلاد فردها إلى ثلاثة أسباب: أولها توصل الجهلاء والظالمين بالرشوة إلى تقلد أعلى مراتب الحكم في الدولة كالمناصب الدينية وولاية الخطط السلطانية من وزارة وقضاء ونيابة وغيرها واضطرارهم لتسديد ما وعدوا به السلطان من أموال إلى تعجلها من أعضاء حاشيتهم وأعوانهم فيقرروا عليهم ضرائب تدفعهم أن يمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا الذين يضطرون إلى الاستدانة وبيع ما يملكون من أثاث وحيوان. ثانيها ارتفاع إيجار الأطيان، وغلاء نفقات الحرث والبذر والحصاد، وارتفاع ثمن المحصولات مما نتج عنه خراب كثير من القرى وتعطيل الأراضي الزراعية ونقص فيما تخرجه الأرض من غلال لموت كثير من الفلاحين والزراع وتشردهم في البلاد وقد هلكت دوابهم ولعجز آخرين ممن يملكون الأراضي عن ازدراعها لارتفاع سعر البذر ونقص اليد العالمة. ثالثها رواج الفلوس النحاسية التي أصبحت النقد الغالب، واحتفاء الدراهم والدنانير من التعامل لعدم ضربهما ولسبك ما بأيدي الناس منهما لاتخذاه حليا، وقد تفنن الأمراء والأتباع والأعوان في الترف والتأنق وتباهوا بفاخر الزي وجليل الحلي، فكان أن دهى الناس وذهب المال وقلت الأقوات وتعذر وجود المطالب، والملاحظ أن المقرزي لا يرى النقد سليما إلا إذا قام الذهب والفضة، واستطرد من شرحه لهذا السبب إلى إعطاء نبذة غير قصيرة عن العملة وتاريخها في الجاهلية والإسلام، فذهب إلى أن العرب الجاهليين كانوا يتعاملون بالمثقال المسكوك من الذهب والفضة، دينارا كان أو درهما، ثم بعث النبي (ص) فاقر أهل مكة على ما كانوا يتعاملون به، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، غير أنهم زادوا نفوس بعض الكتابات مثل «الحمد لله» و «لا الاه إلا الله وحده» كما ضرب الخلفاء الأمويون دراهم ودنانير نقشوا عليها كتابات وآيات مع اختلاف في الوزن والشكل، وانفرد معاوية من بين كل الخلفاء بسك دنانير عليها تمثاله متقلدا سيفه، وسار العباسيون بعدهم على ما وجدوا إلا أنهم نقصوا في الوزن، ثم تحدث عن تاريخ العملة في مصر وإنها كانت دنانير من الذهب وان الفضة كانت تتخذ للحلي والأواني وقد يضرب منها للمعاملات التي يحتاج إليها كل يوم لنفقات البيوت إلى أن كان عهد الحاكم بأمر اله الفاطمي فسلك الدراهم من الفضة مخلوطة أحيانا مع النحاس، وبقيت العملة على هذا النمط حتى دولة الأيوبيين، فراجت الدراهم الكاملة وهي مزيج من الفضة والنحاس، واستمر التعامل بها حتى في أيام مواليهم الأتراك، أما الفلوس النحاسية فقد أخذ يزداد انتشارها منذ ضربها الكامل الأيوبي إلى أن طغت على الدراهم والدينار فاختفيا وكانت الأزمة.
ثم تحدث بعد هذا عن طبقات الناس وبيان الحالة المادية لكل منها فجعلها سبعا: الأولى أهل الدولة ويبدو لهم أن الأموال كثرت بأيديهم بالنسبة لما كانت عليه قبل المحن باعتبار غلاء سعر الذهب وما يتحصل لهم من خراج الأراضي وقد ارتفع ثمنها، في حين أنهم لو تدبروا الأمر لوجدوا انه لم ينلهم في الواقع ربح. الثانية مياسير التجار وأولوا النعمة والترف ويظنون أنهم بزيادة الدخل يكسبون وهم في الحقيقة يخسرون بسبب كثرة النفقات واختلاف النقود. الثالثة أصحاب البز وأرباب المعايش ويقتاتون مما يتحصل لهم من الربح حسب الواحد منهم إلا يستدين.
الرابعة أصحاب الفلاحة والحرث، وفيهم من اثرى، وهم الذين ارتوت أراضيهم أثناء المحن، وفيهم منهلك لتوالي الأزمات وقلة ري الأراضي وهم الأغلبية الخامسة الفقراء، وهم أكثر الفقهاء وطلاب العلم ومن يلحق بهم، صغار الموظفين وصغار الملاك، وهم لسوء ما حل بهم ما بين ميت أو مشتهي الموت.
السادسة أرباب المهن والإجراء والخدم والسواس والحاكة والبناة وأمثالهم من العمال، وقد ما أكثرهم ولم يبق منهم غير القليل مما ضاعف أجورهم. السابعة أهل الخصاصة والمسكنة، وقد فنى معظمهم جوعا وبرادا ولم يبق منهم إلا اقل من القليل.
واتبع هذا الفصل الخاص بالطبقات بآخر عن أسعار المبيعات في القاهرة والإسكندرية، وخاصة مواد الغذاء من حبوب ولحوم وخضر وفواكه واستشهد بالأرقام على هذا ثمنها بسبب كثرة انتشار الفلوس واستخدامها عملة رئيسية، والعودة إلى التعامل بنقود الذهب والفضة، وبالعودة إليه، وهو وحده