دعوة الحق س5، ع10 - يوليوز 1962 .................... ص85
معرض الكتب: المقريزي ورسالته "إغاثة الأمة بكشف الغمة"
للأستاذ: عباس الجراري
المقريزي نسبة إلى مقريز وهي حارة في بعلبك بداخل لبنان عاش فيها أسلافه منذ زمن بعيد إلى أن تحول عنها علي والده ورحل إلى القاهرة، وفيها وفي بيت بحارة برجوان بالجمالية ولد له احمد تقي الدين سنة ست وستين وسبعمائة (1364م) ولم يكن والده من سعة الحال فكفل نشأته وتعليمه على المذهب الحنفي جده لامه شمس الدين بن الصائغ، وكان من كبار فقهاء المذهب ومحدثيه. ولم يقنع المقريزي بما أخذ عن جده وما درس بالأزهر من علوم دينية ولسانية فعكف على قراءة كتب الأدب والتاريخ والتقاويم يلخص ما تحويه بطونها من حوادث وأخبار يساعده ذهن وقاد وفكر شغوف بالبحث والاطلاع وكان لابد، وقد بلغ مرتبة في العلم عالية، أن تطلبه مصالح الحكومة، وكان لابد له كذلك أن يعمل للارتزاق، فالتحق موقعا (*) بديوان الإنشاء بالقلعة، فنائبا من نواب (*) الحكم عند قاضي قضاة الشافعية وكان قد غير مذهبه الذي نشأ عليه ليتحمس للمذهب الجدي، ثم عين إماما لجامع الحاكم، فمدرسا بعد ذلك للحديث بالمدرسة المؤدية.
ولاحظ السلطان ما فيه من الخلق والأمانة وحسن الإدارة، فعينه محتسبا بالقاهرة والوجه البحري، يختلط بالتجار والصناع وأرباب الحرف، وفي أثناء مزاولته لهذه الوظيفة تزوج وأنجب بنتا لم تتجاوز سن السادة حتى أودى بها الطاعون الذي اجتاح البلاد سنة أربع وثمانمائة، ولكنه لم يلبث أن ضاق بهذه المهمة وما تفرضه من أعباء ومسؤوليات، خاصة وقد صرفته عن العلم، فطلقها وعاد إليه مدرسا للحديث بالمدرستين الاقبالية والاشرفية في دمشق ومشرفا في نفس الوقت على أوقاف مارستانها النووي، ومن عاصمة الشام التي أمضى بها عشر سنين، ورجع إلى القاهرة ليعد الرحلة إلى ارض الحجاز، ويقيم مجاورا بمكة خمسة أعوام قضاها كلها في التدريس والتأليف، وأخيرا وكأنه سئم حياة الرحلة والتنقل عاد إلى القاهرة والى حي الجمالية ليعيش بقية أيامه في حارة برجوان، ويجعل من بيته المتواضع ناديا يجمع تلاميذه ومريديه، إلى أن كانت سنة خمس وأربعين وثمانمائة (1442م) فانطفأ سراجه وقد خلد اسمه مقرنا بأعظم مؤرخي مصر منذ العصور الوسطى، وبقيت مؤلفاته نفائس بيد كتب التاريخ المصري.
ولعل من أهم ما يميز المكتبة المقريزي تنوع مؤلفاتها وعدم سير صاحبها على نمط واحد في التأليف، فهي إما كتب طويلة تكاد تكون موسوعات وإما رسائل لا يتعدى موضوعها فكرة أو حادثة.
وأما الأولى ويظهر انه شرع في كتابتها بعد استقالته من وظيفة الحسبة وإقامته للتدريس في دمشق في القاهرة بعد ذلكن فمنها «أمتاع الأسماع بما لرسول من الأبناء والحفدة والإخوان والأتباع» (*)
(*) أي كاتبا، وديوان الإنشاء هذا كان أشبه بوزارة الشؤون الخارجية اليوم
(*) أي قاضيا
(*) برقوق وذلك سنة 1398.
(*) مخطوط في ست مجلدات