نهجم على الإنسان ولا قبل له بدفعها بادئ ذي بدء ولا تكليف بما لا يطاق، ولذا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " تجاوز الله للأمة عما حدثت به نفسها" وروي عنه:" ثلاثة لا يسلم منها أحد، الطيرة والظن، والحسد" قيل فما المخرج منها يا رسول الله " ص"؟ قال: " إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغي، " بل الغرض النهي عن الاسترسال في الظنون الشرير والنهي عن العمل بموجبها فإن الاسترسال فيها قد يدفع الإنسان بمن ظن به السوء مع أنه قد يكون بريئا.
ولذا أمر الله باجتناب كثير من الظنون فقال: ط يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم" وقال: " إنجاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" فقد علل الأمر باجتناب الظن في الآية الأولى بأن بعض الظن إثم الذي قد ينجم عنه من الإضرار ما يزرع العداوة ويفرق الوحدة التي كثيرا ماحث الإسلام على التمسك بها، وعلل أمره بالتبيين في الآية الثانية بخشية أن يصيب غير المثبت قوما أبرياء بسبب جهله بالحقائق التي تخالف هذا الظن الكاذب، نتيجة للسماع من هذا النمام الفاسق، وحينئذ تبين لنا أن الظن المنهي عنه هو الظن الناشئ عن هوى وشهوة أو عن دسيسة دساس، وأن النهي عنه يقصد به النهي عن الاسترسال فيه استرسالا يدفع بصاحبه إلى إيذاء المظنون به في نفسه أو رزقه أو عرضه وبالتالي يكون نهيا عن الإضرار بهذا الظنين أخذا بهذا الظن الذي لا دليل عليه وأما العمل بمثل هذا الظن في خاصة نفس الظان كالاحتياط من الخصم والحذر منه فلا يراد النهي عنه ولذا قيل: " احزم الحزم سوء الظن بالناس" وقيل " سوء الظن عصمة" كما أنه لا يتجه النهي عن الظن الذي لا ضرر فيه لأحد كأن تظن ان فلانا لم يسافر أو أنه فعل ما قد كلفته به أو أنه ليس يعرف ما تريد سؤاله عنه أو نحو ذلك، وقد روي البخاري عن عائشة أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم، " ما أظن أن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا" قال الليث: وهو من رواة الحديث،: كانا رجلين من المنافقين.
وبعد أن حذر من الظن تحذيرا دل على النهي عنه بقوله: " إياكم والظن" قضى على ذلك ببيان العلة التي اقتضت هذا النهي فقال: " فإن الظن أكذب الحديث" والذي كما نعرف نقيض الصدق، فإذا كان الصدق مطابقة الخبر للواقع كان الكذب عدم مطابقته للواقع، ومنه قولهم: " كذبتك عينك" أي أرتك ما لا حقيقة له.
والحديث: حديثان: حديث اللسان، وحديث الجنان، والكذب في الحديث يطلق في الأصل على الكذب في حديث اللسان ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم، أطلقه على حديث الجنان أيضا على سبيل التجوز، لأن كلا من الحديثين لا يعتمد على شيء يصح الاعتماد عليه عند التحدث، وهو الأمر الواقع بالنسبة لحديث الجنان المنهي عنه وهو الظن السيئ بالناس أكذب الحديث لأن الكذب اللساني لا يجزم صاحبه بأنه حقيقة فيجزم به ويبني عليه تدبيراته الضارة بالمظنون به، فضلا عن أنه أشد لخائفه عن الناس فلا يمكن الاتقاء منه، أما الكذب فإنه لا بد أن يظهر فيتقي، ولذلك كان أجدر بالذم والتنفير منه وصفه بأنه أشد الأحاديث كذبا، وبعد أن نهي عن الظن السيء والعمل بما يقتضيه من أضرار، بالمظنون به وبين علة ذلك، مع العلم بأن الظن من غرائز النفوس البشرية ومشتهياتها في كثير نمن الأحيان، عطف عليه نظيره ما تصبو إليه بعض النفوس لأنه من طباعها الشريرة، فنهى عنه كما نهى عن صاحبه، فقال: " ولا تحسسوا"، وهذه الكلمة ترجع إلى مادتها إلى الحس، يقال: تحسس من كذا، أي عالج علمه بحاسة من حواسك وتكلفه باستخدام هذه الحواس كالعين والأذن، ثم توسع في هذا التعبير فصار يطلق على العناية بالكشف عن الأشياء، والمراد هنا: إنما هو النهي عن تتبع عورات الناس من أي طريق بغية أن ينشرها أو تكون لهم وسيلة إلى التشهير بأصحابها متى شاءوا ومما يؤيد ذم هذا قول الله عز وجل: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا الآية" وبعد هذا عطف عليه النهي عن التجسس فقال " ولا تجسسوا" والتجسس مأخوذ من الجس باليد وهو اللمس بها لاختيار الشيء، ثم استعمل في تعرف في تعرف الشيء بالنظر الحاد، قالوا: جسه بعينه، إذا حدد النظر إليه، ثم صار يستعمل في العناية بتعرف أي بشيء، والذي يظهر أن المراد من التجسس هنا هو التكرار للمبالغة في الزجر، وبعضهم جعل التحسس بالبحث عن هذه العورات لنفسه، والتجسس البحث عنها لغيره، وهو متمش أيضا مع سياق الحديث.