تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيكون النهي متجها للبحث عن العورات لنفسه أو لغيره، ولكن هذا لا يكون على إطلاقه، بل يجوز التجسس والتحسس إذا تعين طريقا لمصلحة، كإثبات دعوى أن تعرف مواطن الضعف من الأعداء في الحروب فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يستعمل الجواسيس على أعدائه في الحروب.

ثم نهى بعد ذلك عن خلة أخرى تعد من الطبائع البشرية وهي: " الحسد" فقال: (ولا تحاسدوا" أي لا يحسد بعضكم بعضا، فيتمنى زوال النعمة عن غيره، لأنه لم يرزق منها سواء كان ذلك مع تمني أن تتحول إليه أم لا، وهذا داء وبيل، يغرس البغضاء، ويذهب في الوحدة في الجماعات وهو من الأدواء التي لا يمكن دفعها إلا بمجاهدة النفس وعدم الاستمرار في خطورها، فإذا لم يستطع كان عليه ألا يعمل ما يؤدي إلى زوال النعمة عن المحسود، وهذا أقل ما يلزم فقد قال عليه السلام: " ثلاثة لا يسلم منهم أحد ... " الحديث، وروي عن البصري أنه قال: " ما من آدمي إلا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم، لم يتبع منه شيء" ولكن أقول فيه إيلام لنفسه وعدم رضاء بالمقدور ودفع لهمته إلى تدبير المكروه للمحسود، فقاوموه ما استطعتم.

ثم بعد ذلك نهى عن التدابر وهو التقاطع فقال: " ولا تدابروا" وهو مأخوذ من الدبر، ودبر كل شيء مؤخره، ومنه جئتك دبر الشهر أي آخره، وتدبرت الأمر إذا نظرت عواقبه، والمراد هنا النهي عن التقاطع، لأن الرجل إذا قاطع صاحبه ولاه دبره، وقفاه وأعرض عنه، ثم نهى بعد ذلك عما يزيد الوحدة انفكاكا فقال: " ولا تباغضوا" أي لا يبغض بعضكم بعضا، ولما كان البغض من الأمور النفسية التي ليس لإنسان قدرة على دفعها ابتداء يكون النهي عن الأسباب المؤدية إلى ذلك، فلا يفعل الإنسان شيئا يزرع البغض في نفس أخيه، ولا يظن بأخيه ما قد يؤدي إلى بغضه هو لأخيه، ولا يتبع الأهواء والنزوات الشيطانية التي تؤدي إلى إضلاله فيزرع بذلك التباغض والعداء، وأصل تباغضوا تتباغضوا كما أن الأصل في الأفعال السابقة كلها " تتفاعلوا"، وأصل المادة تدل على التعمل والتكيف والمعالجة أي لا تتكلفوا كل ذلك بعمل ما يكون سببا في وجودها فابتعدوا عنه، وإذا لم تستطيعوا فلا تعملوا ما قد يترتب عليه من أضرار، وليس كل البغض مذموما، فإن بغضك لصاحبك لحق الله وحق الإنسان مما يثاب عليه فقد كان الرسول لا يبغض إلا لله ولا يحب إلا لله، كما ورد في الآثار ...

وبعد ذلك قال: " وكونوا عباد الله إخوانا" أي كونوا كالإخوان في النسب من حيث الشفقة والرحمة، والمواساة وحسن المعاملة، وكف الأذى وحب الخير وعلى الجملة كونوا متصفين بجميع ما يحقق الأخوة ويؤدي إلى أن تكونوا كتلة واحدة مرهوبة الجانب، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.

ومما تقدم يتضح لنا أن الكلام جاء على التشبيه كما قيل: " إخوان الوداد أقرب من إخوان الولادة" كان لنا أن نفهم أن الإسلام ورد مورد الحقيقة، وعطف هذه الجملة على ما قبلها من عطف العام على الخاص، فإن الإخوة تتضمن الاتصاف بضد ما نهى عنه وبغيره منكل ما يحقق الأخوة، ورأى ابن حجر:" أن هذه الجملة كالتعليل لما سبقها، ولكن العطف بالواو ووجود الأمر" كونوا" يبعد ذلك، وقد زاد مسلم في رواية له لهذا الحديث قوله: " كما أمركم الله" أي كونوا إخوانا كما أمركم الله، وذلك لأن أمر الرسول أمر من الله لقوله تعالى: ط أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" أو للإشارة إلى قوله تعالى: " إنما المؤمنون إخوة" وهذه الجملة وإن كانت أخبارا عن الحالة التي شرعت للمؤمنين فهي بمعنى الأمر، أي فهي إنشائية.

وبعد ذلك: نذكر أن بعض العلماء زعم أن صدر هذا الحديث وهو قوله: " وإياكم والظن" ينهى عن العمل في الأحكام الشرعية بالاجتهاد والقياس الذي يسمونه بالرأي، ولا أدري كيف يتأتى هذا الفهم من الحديث؟ مع أن الاجتهاد والقياس في الأحكام الشرعية إنما يكون عن دليل ونص ورد فيه الحكم المقيس عليه، مع أن الظنون كما تقدم لا تعتمد على أدلة ولا إمارات، بل كيف يتأتى هذا مع قوله بعد: " فإن الظن أكذب الأحاديث"؟ .. فهل الاجتهاد عن دليل يقال فيه أكذب الحديث؟ وعلى فرض صحة ذلك فكأن الرسول يكون قد قال:" وإياكم وطن الأحكام الشرعية التي يكون لكم منها النفع في دينكم، ودنياكم، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ... الحديث" فأي ذوق عربي يجيز هذا القول؟ بل أي فكر سليم يستبيح أن يجعل الرسول كالقائل لمثل هذا؟ وأي رابطة بين النهي عن الاجتهاد والنهي عن التحسس، .... إلخ؟ اللهم إلا الأفكار التي أعماها التعصب وحب التغلب الجدلي، ولا يصح أن يقال: إن مرادهم الظن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤١٦١