وكان قلبه عامرا رغم كل ذلك بأن العطلة الصيفية قادمة .. وأنه سوف يتمتع مثلهم بالبحر والشمس، والكرة، وصيد السمك .. لقد كانت هذه أول عطلة صيفية تأخذها مدرسته خالصة من دون أية دراسة ..
وبدأت العطلة .. وكان قلبه يكاد ينفجر من الفرح والأستاذ المكلف يعلنها لهم برزانة ويعقبها بعدة وصايا على المحافظة على الأخلاق العامة ..
وحين وصل باب المدرسة الخارجي كان أبوه في انتظاره ليمسك بيده ويأخذه إلى البيت ومن تم بدأت مأساته ..
لقد وضعه في قفص من جديد .. الليل قرءان .. والنهار قرءان .. ولا طعم للنوم ولا وقت للراحة ..
وبدأت آثار الإرهاق تظهر على جسمه الناحل .. فاحمرت عيناه من قلة النوم .. وظهرت حول عينيه دائرتان سوداوان من شدة القلق .. ولجأ، في غمرة حرمانه، إلى عادات رديئة يمارسها حين يخلو له الجو .. فكانت بديله الوحيد عن ملذات الحياة الصحية الأخرى ..
وأصابه داء النسيان .. وبدأ تعثره في تكرار القرءان بكثرة بعد أن كان يتلو الستين من البداية حتى النهاية بدون توقف .. وذعر أبوه لذلك فزاده تعذيبا وإرهاقا .. وبدأ صراخه يسمع في الحي ليل نهار حتى قلق الجيران، وبدأوا يشتكون من الإزعاج .. وحينئذ قرر الرجل أخذ أبنه إلى زاوية منعزلة عن المدينة، حتى لا يكون هنالك رقيب ..
وكان المارة يسمعون بكاء الغلام وصوت الحبل وهو يتقطع على ظهره كلما مروا من هناك .. كان الصراخ يبدأ حادا قويا في الصباح .. ومع المساء لا يبقى إلا أنين متقطع يطغى عليه صوت الحبل ..
وفي الليل كان صوته يبح .. فلا يسمع إلا عواء ضعيف كعواء ذئب داخل عاصفة ثلجية هوجاء ..
وبين البيت والزاوية كانت تمر على أحمد أصعب اللحظات .. الناس يتفرجون عليه وأبوه ممسك به من قبه يجره كالبهيمة .. واصنع من ذلك أن يصادفه في تلك الحالة صديق أو زميل .. وبدأ مظهر الخارجي يثير الرثاء .. فقد بدأت علائم الشلل والعيى تبدو عليه بوضوح ..
وانتهى الصيف ..
وسافر أصدقاؤه إلى بلاد أخرى لإتمام دراستهم الثانوية .. وكانت ما تزال بقية أمل تراوده في أن يرسله أبوه هو أيضا إلى أحد المدن الكبيرة لإنهاء دراسته ..
وبدأ الضياع يصبغ حياته .. واليأس يعم قلبه الصغير .. ولم يعد يهمه أي شيء .. فحياته كلها نقطة كبيرة سوداء .. يسميها الناس أباه .. ومر عام .. وكأنه نهر خائر من الدم والصديد .. ومر عام آخر .. ونفس الأبخرة والروائح العفنة تفوح منه ..
وفي إحدى ليالي شتاء العام الثالث بدأ شيء ما في داخله يستيقظ .. وأحس بطريقة غامضة أن شيئا ما سيقع له .. بد ما ستمتد لتخرجه من أنهاره المتعفنة الآسنة ..
وتحول ذلك الشعور الغامض إلى إيمان قوي .. وأشرق في داخله أمل رائع دافئ.
ومرت بضعة أيام .. وتساقطت الأمطار بغزارة خلالها .. وكأنها تتساقط بداخله لتحيي شيئا كان ميتا ..
ولأول مرة في حياته تجرأ على ألا يحضر صلاة العشاء وقراءة الحزب .. وعاد مع العشاء إلى البيت غير عابئ بما ينتظره من ويلات ..
وحين دخل وجد جميع من في البيت يصلون لأجله .. أنه يومه الأخير .. وعاد أبوه من صلاة العشاء .. وسأل عنه فقيل له أنه رجع .. فذهب مباشرة إلى الحبل .. ثم ناداه فدخل عليه ..