تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.5، ع3 /نونبر 1961 .................... ص 74

قصة العدد: العائد

للأستاذ: أحمد البقالي

رفع أحمد رأسه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الثقيلة وهي تتمزق لتفسح لأشعة القمر نافذة على المدينة الهاجمة ..

كانت الريح البحرية قد حرثت المحيط ذلك المساء، وأرسلت أمواجه عالية على أسوار المدينة الكئيبة .. ومع العشاء تهاطلت الأمطار، وهدأت الريح البحرية .. وحين أقلعت السماء، بدأ صخب البحر يسمع بوضوح ..

وسار أحمد في الشوارع الضيقة الخالية، ورائحة الأرض الطيبة تملأ خياشيمه .. وقلبه تملأه الروعة.

وبعد عشر سنوات من الاغتراب يعود إلى أرض الوطن حواسه كلها مرهفة .. ويكاد يجهش بالدمع لغير ما سبب .. كل شيء في مدينته الصغيرة جميل .. حتى البيوت الخربة التي تأوي إليها القطط والعفاريت .. وحتى .. وحتى .. كل شيء ..

وفي المساء كانت نافذة هائلة تشرف منها ملايين النجوم .. واسند أحمد ظهره إلى السور وأصاخ بسمعه لخرير ماء في باطن الأرض .. وذكره ذلك بيوم خروجه من المدينة أو هروبه على الأصح .. منذ عشر سنوات، حين كان سنه لا يزيد على السابعة عشرة ..

إنه يذكر ذلك كما لو كان حدث قبل ساعة! كان قد خرج هاربا من وجه أبيه الغاضب وانطلق إلى الشارع يشق الريح، ودموعه تبلل شفتيه .. وظل يعدو حتى وجد نفسه على الشاطئ .. فقد كان البحر دائما ملجأه الأمين .. وكانت برودة الريح ضد حرارة وجهة تشعره بقليل من الانتعاش ..

وقضى تلك الليلة يجوب شوارع المدينة حافي القدمين، عاري الرأس .. وقد انشطر جلبابه من الأمام شطرين ..

شعور واحد كان يستولى عليه: الإهانة! وتذكر الغصة .. تلك الغصة الحامية التي كادت تحرق حلقه .. وكم بكى وكم أخذته العزة .. وتحول شعوره بالإهانة إلى الرغبة في التحطيم .. تحطيم أي شيء .. لقد كاد القهر يفجره .. كان يحس الآن أنه تحول إلى برميل ديناميت .. لو أعترضه شيء .. أي شيء لسحقه!

واستعرض أحمد في تلك اللحظة من ذكرياته تلك اللحظات التي كان يملا فيها أبوه بالكراهية والمقت .. كان يوقظه في جوف الليل .. بركله في ظهره أو بطنه .. لا يناديه حتى لا يوقظ أخواته النائمات .. فيقول تحت كابوس ثقيل، والهم يتقل قلبه، ويتحرك إلى المغسل لينام بعض الدقائق على حافتيه .. أنه لم يتم أكثر من إغفاءة عامرة بالأحلام المرعبة، بعد نهار أسود من المتاعب والأهوال .. ثم يأتي فيقعد بجانب فراش والده الوثير، ويبدأ في تكرار القرءان بينما أبوه ينعم بالدفء والراحة تحت لحافه الصوفي الثقيل.

كان والده مدرس قرءان في المدرسة .. فلم يكن يقنع بنصيب أبنه من حصص القرءان التي يأخذها إلى جانب الدروس الابتدائية .. فكان يأخذه إلى البيت بمجرد خروجه من المدرسة حين يذهب رفاقه إلى البحر اللعب والتمتع بملذات الصبا ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٨١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٨١٠